قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها كـاملة حكـايات منـي الـسـيد

لمحة نيوز

بالرّاحة.
وقف مميكروباص تويوتا أبيض، السوّاق حطّ راسه من الشبّاك وقال عبّود يا حاجّة؟.
أمل هزّت راسها وقالت آه.. عبّود يا ابني.
السوّاق نزل بالرّاحة، خد ممنها الشنطة التقيلة وحطّها في الشنطة ورا، وقال لها بأدب اتفضّلي ارْكبي يا أمّي.. الجو ساقع برة.
كلمة يا أمّي و طريقة الممعاملة اللي فيها أدب خلّت قلبها يرْفرف. ركب في الكنبة التانية جنب الشبّاك، وسند t راسها على الأزجاج اللي عليه شبّورة من الساقعة. العربية تحرّك، وبدأ الشارع القدِيم باعها، بالبيت، بالوَرشة، بالأعمار اللي ضاع في الهد والبنا، يبعد ويصغر في الممراية لحد ما اخفى تماماً.
لمّا الساعة ج سبعة الصبح، الحارة كان صحي بالكامل. البياعين بدءوا يفرشوا الخضار، وصوت باع الفول والطعمية كان مممطلّع ريحة التقلية السخنة اللي بجري الريق في البرد.
جلال نزل من السلّم. مممكانش لا بس الجاكتة الممكوية ولا كان نظيف زي كل يوم. كان طالع بهدوم الشغل على طول، وِشّه ممخطوف، والهالات السمرا تحت عينه ممخلّياه شبه العيانين. فتح باب الوَرشة الصاج اللي عمل
نفس الصوت الممزعج، ودخل وقف وسط العدد والمممفكّات.
الصبي باعه حمادة دخل الوَرشة جري، شايل في إيده كوبايتين شاي سخن في خمسينة، وقال بنشاط عيال صغيرة صباح الفل يا أسطى جلال.. المعلّم ممصطفى بعت عيل بيقول العربية هخلص على الضهر ولا إيه؟.
جلال مممبصّش للشاي، قعد على الكرْسي الخشب، وممسك مممفك تقيل وقال بصوت مممكوم حُط الشاي يا حمادة.. وهات العدّة عشان نفور الممموتور.. النهاردة يومنا طويل وقاسي.
حمادة بص لأصطاه باسغراب، كان مممتعوّد إن الأسطى جلال بينزل الصبح يجعر ويشم ويقلب الوَرشة، بس النهاردة الهدوء اللي فيه كان بيخوّف. حط الشاي وسكت وبدأ يناوِله المممفاتيح.
وفي نفس الوخت ده، في أوسيم.. الشقة بتاع فاطمة بنتها أمل كانت دافية ونظيفة. صوت إذاعة القرآن الكريم كان شغال في البلكونة بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.
أمل كانت قاعدة على الكنبة، وحاطّه في حجرها ابن بنتها الصغير محمود، عيل عنده سنين، عمّال يلعب بصوابعها ويضحك ببراءة تفتح النفس. بنتها فاطمة خرجت من المطبخ شايلة صينية فيها كوبايتين شاي باللبن
وفطير ممشلتت سخن ريحه سمنة بلدي ترّد الرّوح.
حطّت الصينية، وقعدت جنب أمها، باست إيدها وقالن بحنية مفيش بعد كده
نوّرتي بيك يا أمّي.. والله البيت من غير وِشّك مممكانش له طعم. اقعدي وارْتاحي، واللي تعوزيه تشاوري عليه بإصبعك، كفاية شقا عليكِ لحد كده يا حبيبتي.
أمل بصّت لبنتها، وخدّت نفس عميق، وحسّ إن اللمقمة اللي هتأكلها هنا، رغم إنها بسيطة، بس فيها كرامة وآدمية كانها محرومة منها. الدموع في عينها بس المرّة دي دموع راحة ومش دموع قهر.
البيت منوّر بأصحابه يا بنتي ردت وهي بتعدّل العيّل في حجرها الحمدلله على كل حال.. المهم إن الواحد خرج بنفسه طاهرة ومش ظالم حد.
المممقفل في البيت القدِيم في الحارة كان ممختلف. جلال طلع من الوَرشة على الضهر بعد ما خلّص العربية بالعافية. طلع السلّم بجسم همدان، وممعاه كيس فيه عيش وفول وعلبة لنبن عشان أمه. فتح باب الشقة، ودخل.. الصالة مترّبة، الممواعين العشا باع امبارح لسه في الحوض على حطّها، والبي فيه ريحة كممكمة وساقعة تخنق.
دخل أوضة أمه، لقاها عمّالة تئن بصوت واطي. قرّب
ممنها، حط الأكل على الكمودينو، وبص لها
عايزة حاجة يا أمي؟ قالها بصوت تعبان.
عايزة علبة الممناديل من برة يا جلال.. وعايزة الغيار يتشاف عشان بدأ يضايقني تاني.. قالها بصوت فيه حرج وخوف المرّة دي من رّد فعله.
جلال لَفّ ضهره وخرج يجيب الممناديل. وقف في نص الصالة، وبص للحيطان اللي عليها صور فرحهم وصور بناتهم. حس بالو حدَة القاتلة بتنزل على ضهره زي الساطور. هو عالف إنه مممقدّر يستحمل اليوم بالعافية، بس هيعمل إيه بكرة؟ وبعد بكرة؟ و الشهر الجاي؟ الععمر اللي باقي هيمشي إزاي في الساقعة دي؟
الحقيقة اللي البي ده علفها النهاردة إن ممفيش حاجة بتمشي من غير الرّوح اللي بتطبخ وتغسل وتشيل بالأصول من غير ما تشوف حتّى كلمة حلوة. أمل خدت كرامتها ومشية في سکّتها، وجلال قعد في المممكان اللي فکّر نفسه سيّده، بس لقى نفسه غريق وسط التفاصيل الصغيرة اللي كان بيستهتر بيها طول عمره.
والشمس عليا في السما بالكامل، وبقي منوّرة بيا طلعة منه الرّوح و بيا تاني ببدأ فيه حياة جديدة مع شقشقة النور.. والطريق اللي اتقسم نصين ممبقاش
فيه خط من الرجوع.

تم نسخ الرابط