قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها كـاملة حكـايات منـي الـسـيد

لمحة نيوز

قومي فزي يلا شوفي أمي وغيريلها! الست تعبانة ومحتاجة رعاية، وأنتِ قاعدة مربعة قدام التلفزيون ومتمسمرة! زعق جلال وهو عينه بتطق شرار.
إيه؟ هتفضلي متنحة لي كده زي الصنم؟ أنتِ مش سامعاني ولا خلاص اتعميتي؟
أمل اتنفضت من مكانها. صوت جلال دَخل ودنها زي رَقعة باب اتقفل هَبَد في بيت هسس وميهوش صريخ ابن يومين. شالت عينها من على شاشة التلفزيون، حتة ما البطلة بتاعة المسلسل التركي كانت عمالة تعيط على حبها اللي ضاع، وبصت لجوزها اللي واقف قصادها وشه محقن ومحمر، شعره منكوش، والكسرة اللي بين حواجبة حفرت وبقت علامة ومبتفارقش وشه واصل.
غوري يلا اغسلي لأمي! الست مبهدلة وعايزة اللي يراعيها، وأنتِ شاطرة بس تقعدي تتفرجي على المسلسلات دي! عاد كلامه تاني بصوت ناشف زي الحطب، وهو بيشد جاكتته القديمة من العليقة. متوفرة على روايات و اقتباسات 
برة البيت، كان طوبة مرخّي برده وساقعته بتاكل في العضم. المطر كان شغال رزع برة، والجو مغيم ومقفل، والليل ليل من بدري، زي عوايد طوبة في يناير. النور اللي جاي من شبابيك العمارات اللي جيرانهم كان طالع أصفر دافي، تحس إن ورا الحيطان دي فيه ناس قاعدة ملمومة حوالين راكية نار أو صينية كيكة لسه طالعة من الفرن وريحتها قالية الدنيا.
أمل قامت براحة من على الكنبة. رجليها كانت منملة؛ بقالها يجي ساعة إلا ربع قاعدة على القعدة دي ومتحركتش. الصالة كانت ريحتها تقلية بصل محروقة على ريحة تانية غريبة... ريحة مستشفى؟ لأ، دي ريحة الكبر والمرض. في الكام شهر الأخرانيين، حماتها بدأت تطلع منها الريحة دي.
أنا لسه طالعة من أوضتها حالا ردت بصوت واطي ومكسور غيرت لها ملاية

السرير، وديتها دوا الضغط والمسكن...
آه، غيرتي لها، سيبيني أصدقك! رد جلال بتريقة ومرارة أمال هي مكلماني في التليفون بتعيط وتقول مفيش حد بيعبرني ليه؟ وليه هدومها مبلولة ومتبهدلة؟
يا جلال...
بلا جلال بلا زفت! أمي بتموت وأنتِ ولا الهوا، مش فارق معاكي حاجة! أنتِ مفيش في دماغك غير المسلسلات المرقّعة دي!
أمل جزت على سنانها وقبضت إيدها جامد لدرجة إن ضوافرها غرزت في لحمها. حست بحاجة سخنة وبتغلي بتطلع في صدرها، زي حلة مغلية على النار وبتفور. كان نفسها تصرخ في وشه وتقوله إنها بقالها تلات شهور منامتش ليلة على بعضها؛ إنها بتقوم في عز الفجر والبرد يقطع الظهر عشان تلحق الست وتعدلها؛ إنها بتغسل ملايات وغيارات كل يوم؛ وإنها مبقتش فاكرة آخر مرة شافت فيها الشارع كانت إمتى، إلا لو نازلة تشتري خضار من السوق أو تجري على الصيدلية تجيب شريط دوا. كان نفسها تقوله إن عمرها نفسه تاه، وداب في أيام شبه بعضها، زي نسخة كربون مابتتغيرش.
بس كتمت في نفسها وسكتت.
جلال كان خلاص بيلبس جزمه وفي طريقه للباب. رايح فين؟ أكيد على الورشة تحت، أو يقعد على القهوة في أول الشارع. دي دايما حتته اللي بيهرب ليها لما الدنيا تضلم في وشه. هناك حاجته ودنيته عُدة، ومسامير، ومفك، وعربية زبون عطلانة بيموت نفسه فيها عشان تطلع قرشين، وعربيته هو القديمة السوزوكي اللي مبتقومش أصلا. هناك كانت حريته... حتة ضيقة وريحتها جاز وشحم وسجاير كليوباترا، بتاعته هو وبس.
طب انزل أنت بقى رمت الكلمة دي وهي باصة له اجري روح لأمك وشوفها.
هو لَفّ لها. وشه مكنش فيه غضب المرة دي، كانت فيه علامات حاجة تانية... صدمة؟ ذهول؟ كأنه مش مصدق
اللي بيسمعه.
أنتِ بتقولي إيه؟
اللي سمعته. انزل أنت اعملها. اغسلي لها أنت وشوف طلباتها لو شايف إن كل اللي بعمله غلط في غلط. أنا جبت آخري وطهقت!
كلمة طهقت دي حستها ماسخة وقليلة قوي على البركان اللي جواها. التعب ده مش تعب وقفة مطبخ ولا شيل أكياس خضار تقيلة من السوق. الموضوع كان أكبر... كأن فيه حد بيسحب منها النفس بالراحة، يوم ورا يوم، لحد ما سابها حتة جلده على عضم وفاضية من جوة.
جلال فضّل واقف عند عتبة الباب، وملامحه بدأت تقلب وتضلم.
أنتِ خلاص مبقاش عندك دم ولا حيا قالها وهو بيقرب جرا لك إيه؟ بقيتي تملي عينك مني وتؤمريني أعمل إيه وماعملش إيه؟ وفي بيتي كمان؟
في بيتي؟ أمل خدت خطوة ناحيته وبقت في وشه يا جلال أنا عايشة هنا بقالها تلاتة وعشرين سنة. تلاتة وعشرين سنة بحالهم! أمك عمرها ما طيقتني ولا بلعت لي لقمة، وأنت عارف ده كويس. ياما قالت في وشه ومن ورا ضهري إني منفعكش، وإنك كنت تستاهل ست ستها وأحسن مني ميت مرة!
وجرى إيه يعني؟ ست كبرت وعيانة...
دي كانت كده وهي عندها تلاتين سنة! ولما بقت أرْبعين برضه كانت كده! طول عمرها وهي كده، بس أنت اللي كنت بتغمي عينك وتعمل نفسك مش شايف عشان أنت ابنها!
جلال قدم خطوة وبقى واقف فوقيها زي الحيطة السد، ضلها مغطيها. أمل شمت ريحة كولونيا الشبراويشي الرخيصة والنفاذة اللي حاططها. هي نفس الريحة من عشرين سنة لما كانوا لسه عرسان وفرحانين.
لمي لسانك يا أمل، وماتتجرأيش تتكلمي عن أمي بالطريقة دي.
وإلا إيه؟ صوتها طلع حامي ومسنون زي الموس هتعمل إيه يا جلال؟ هتمد إيدك عليا؟ ولا هترميني في الشارع وتطردني؟
وصوت الهوا برا كان بيخبط في الشبابيك،
كأنه مستني اللي هيحصل بعد كده.
حكايات مني السيد 
الفصل الثاني
الصمت اللي نزل على الصالة كان تقيل، تقيل لدرجة تكتم النفس. جلال فضّل متسمر في مكانه، إيده اللي كانت مرفوعة عشان يشد الجاكتة نزلت بالراحة جنب جنبه، بس صوابعه كانت بتترعش من الغل. عينه اللي كانت مبققة عليها بقت الوخت ده كأنها شايفة ست تانية غير أمل اللي عرفها تلاتة وعشرين سنة. أمل اللي كانت بتطاطي للموجة لحد ما تعدي، النهاردة واقفة طولها، وعينها في عينه، مبترمش.
أنا أطردك؟ الصوت طلع من بين سنانه مخنوق، زي صوت حجرة بتتجرّ على أسفلت ناشف بقى العمر ده كله، والشقا ده كله، وفي الآخر تقولي لي هطردني؟ أنتِ خلاص شيطانك ساقك ويئستِ من الدنيا يا أمل؟
أمل منزلتش إيدها اللي كانت مقبوضة. الحمل اللي جواها كان بقاله سنين بيكوم، طوبة فوق طوبة، والنهاردة السد إنهار. نفسها كان عي، و صدرها بيعلى ويهبط كأنها كانت بتجري في ماراثون.
الشيطان هو اللي بيشوف الظلم ويسقف له يا جلال ردت بنبرة هادية مرعبة، نبرة الواحد اللي مبقاش عنده حاجة يخاف عليها أنا مقلتش حاجة عيب. أنا بقول حقيقة أنت كنت بتدفن راسك في الرمل عشان متشوفهاش. أمك من أول يوم دَخلْت فيه البيت ده، وهي بتعاملني كأني خدامة جاية مع الجهاز. وكنت بسكت.. أقول معلش، ست كبيرة، أقول معلش عشان خاطر جلال، عشان اللقمة اللي بيننا. بس لحد هنا وكفاية.. العمر خلص يا ابن الناس، والصحة راحت، وحتى كلمة شكراً مبسمعهاش.
جلال بص للباب، وبعدين بص للطرَقة اللي مودّية لأوضة أمه. البيت كان ساقع، بس الخناقة خلّت الجو يولع. نفض
إيده في الهوا كأنه بيطرد كلامها من دماغه
أنتِ طع لك صوت
لمّا الست كبرت وعيتت؟ لمّا بقت بين إيدين
تم نسخ الرابط