قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها كـاملة حكـايات منـي الـسـيد
المحتويات
لسه مكحّلة والسما لونها كحلي غامق بيبدأ يفتح بالرّاحة من ناحية الشرق. المطر اللي كان نازل رزع طول الليل قطع، بس ساب وراه شوارع مبهدْلة، مية مرِكّمة في نقر الأسفلت، ورشاش مية ساقع بيطلع كل ما عربية نقل تعدّي على الطريق العمومي من بعيد. الحارة كانت لسه نايمة، مفيش غير نور عمود الشارع اللي ببيتها على الطريق العمومي من بعيد. الحارة كانت لسه نايمة، مفيش غير نور عمود الشارع اللي بيتهز مع الهوا، وصوت عوا كلب ضال كان بيدَوّر على دَفا تحت عربية مركونة.
جوّه الشقة، أمل كانت صاحية من قبل الأدان. معرفتش تغمّض عينها أكثر من ساعة على بعضها. النوم لمّا يهرب من عين الست المظلومة بيبقى زي الغريب اللي مالوش صاحب. قامت من على السرير، جسمها كان مدّشدش كأنها كانت بتهدّ جبل، بس القرار جوّه دماغها كان ناشف وزي الحديد.
مشيت في الصالة بالرّاحة على أطراف صوابعها عشان متعملش صوت يصحّي الحاجة فاطمة. الصالة كانت ساقعة تلطش في العضم، ونور التلفزيون اللي سابه جلال شغال كان لسه بيرعش زرقان على الحيطان كأنه بيعلن عن ليلة خلصت ومش هترجع. بصّت على كرسي جلال الفاضي، والجاكتة اللي مش موجودة، وعرفت إنه مرجعش من تحت. نفخت بالرّاحة، تنهيدة طولها عمر بحاله، ودخلت الأوضة تجيب الشنطة.
الشنطة كانت شنطة جلد بنّي مقشّرة من الجناب، من بتوع الجهاز بتاعها من تلاتة وعشرين سنة. فتحت السوستة اللي عملت صوت مبحوح، وبدأت تحط هدومها.. عبايتين خروج سود، كام طرحة مكوية، والغيارات المهمة. ممخدتش حاجة زيادة، ولا فكّر تأخذ حاجة من البيت. كل اللي كان هاممها تأخذ نفسها اللي ضاع هنا.
وهي بتقفل الشنطة، سمعت صوت حركة في الطرَقة. صوت سحلبة جزمة جلال التقيلة.
البايب
وقف الوقت ده في مكانه، حط إيده في جيوب البنطلون، وبص للشنطة بنظرة فيها غل مكتوم بس معجون بقلّة حيلة.
أنتِ بجدّك كده يا أمل؟ صوته طلع مشروخ وممبحوح من البرد هتمشي فعلاً؟ النهار لسه ممطلعش، والناس لو شافك خارجة بالشنطة دي في الوقت ده هتقول علينا إيه؟ فضيحتنا هتبقى بجلاجل في الحارة.
أمل بصّت له، وهي بتلِفّ الطرحة السمرا حوالين رَقبتها وتثبّتها بالدبوس. نظرتها كانت فيها كمية هدوء خلّت جلال يترعش من جوّه.
الناس ممبتأكلناش عيش يا جلال، ولا كانت بتقوم معايا الفجر تشيل أمك ردت وهي بتسحب شنطتها الصغيرة بتاعت الإيد الناس لمّا بتشوف جنازة بتتفرّج، ولمّا بتشوف فرح بتتفرّج، وأنا مبقاش فيا حيل أصرف عمري عشان فرجة الناس. أنا ماشية، والأدان بيأدن أهو، يعني طريقي أخضر إن شاء الله.
جلال خد خطوة ناحيتها، كان عايز يمسك الشنطة يرميها، يزعق، يمارس تحكّمه اللي عاش بيه، بس رجليه كانت تقيلة. شاف في عينها حاجة غريبة.. شاف إن الخوف منه مات، ولمّا الخوف يموت في قلب الست، ممفيش راجل في الدنيا يقدّر يلوي دراعها.
طب وأمي؟ قالها بنبرة طلعت غصب عنه فيها اسعطاف ممداري أمي العيانة جوّه دي.. هسيبها لمين؟ أنا نازل الورشة الساعة سبعة، ومعايا تسليم عربية للمعلّم مصطفى، لو مخلصش هتخرب بيتي. هسيب الست ممرمية لوحدها؟ ممين هيديها الدوا؟ ممين هيعمل لها اللقمة؟
أمل وقفت
أمك لها ابن من بطنها هو اللي يشيلها يا جلال. يا إمّا تكلّم إخواتك البنات يجوا يقسموا الأيام معاك، يا إمّا تصرف من جيبك وتجيب لها مممرّضة بالأجر ترعاها. أنا شيل تلاتة وعشرين سنة لوحدي، ولمّا تعب وحبي أرْتاح، اتقالّي إني خدامة مش بتأكل ممنافعها. شوف حالك بقى، وحس باللقمة اللي كنت بتأكلها واللقمة اللي كنت بترميها.
في اللحظة دي، صوت الأدان بدأ يعلى من المسجد اللي في آخر الشارع. صوت الشيخ كان جهوري وبيهز صمت الفجر الصلاة خير من النوم.. الصلاة خير من النوم.
ومع صوت الأدان، جاي من جوّه الأوضة صوت الحاجة فاطمة وهي بتنادي يا جلاااال.. يا ابني.. الهانم ممشيت ولا لسه؟ تعالى شوفها وهي بتتسحّب من وراك.. تعالى يا جلال!.
جلال بص لجوّه وبص لأمل. الموقف كان مقسوم حتّتين أمه اللي بتصرّخ وممحتاجاه جوّه، وممراته اللي فتحت باب الشقة وخلاص جاية تخرج. حس إن الحيطان بتقرّب عليه وتطبق على نفسه.
أمل.. عشان خاطر البنات.. قالها المرّة دي بصوت ممكسور فعلاً، كبرياء الرّاجل داب كله في ثانية.
بس أمل خرج البسطة بتعا t السلّم، وسحب الشنطة وراها.
البنات اتجوّزوا وعملوا بيوت يا جلال، وهمّا عالفين أمهم اسحمل إإيه. الله يسهّلّك يا ابن الناس.
وقفل الباب وراها.
صوت قفلة الباب نزل على جلال زي القضا المسعجل. البيت فجأة بقى فاضي، رغم إن أمه جوّه وعمّالة تنادي، بس الرّوح اللي كانت مممشية الحيطان خرج مع القفلة دي. نزل جلال على ركبه في الصالة، ممسك راسه، وحس بالدّوخة بتاكل في دماغه. السيجارة اللي في إيده كانت خلص ولسه صوابعه، رماها على الأرض بعصبية وداس عليها بجزمه.
يا جلاااال.. أنت ممبترّدش
قام جلال بتثاقل، ودخل أوضة أمه. الست الكبيرة كانت بتبص للباب بشفّي وفرحة صغيرة، فاكرة إنها انصرت المرّة دي كمان، وإن البيت خلى لها ولِابنها اللي تعب فيه. بس لمّا بصّ في وِش جلال، الفرحة دي طارت.
جلال ممكانش جلال اللي بيزعق ويطيح. كان وِشّه أصفر كموني، وعينه تايهة.
ممشيت يا أمي.. قالها وهو بيقعد على طرف السرير بهمدان ممشيت وخلّت الدنيا فاضية.
تغور يا ابني.. البلاد مممليانة ستات، وألف ممين تتمنّاك.. قالها الحاجة فاطمة وهي بتحاول تطبطب على كتفه بإيدها المر تعشة.
جلال بص لإيد أمه، وبعدين بص للأرض وقال بمرارة
ألف ممين تتمنّاني في الوَرشة والشقا يا أمي؟ بس ممفيش ألف ممين تشيل الطش وتمسح الأرض وتغسل الهدوم وتسحمل الکلمة اللي تقطم الرّقبة من غير ما تنطق. الست اللي ممشيت دي كانت شايلانا الإتنين وعاملة للبيت ده حسّ.. النهاردة أنا اللي هقعد بيكِ، ومش عالف الساعة سبعة لمّا تيجي هنزل الوَرشة إزاي وأسيبك كده.
الحاجة فاطمة لفّ وِشّها للحيطة وسكت. المرّة دي السكوت كان تقيل، لأن الکلام نقر في عقلها، وعلف إن النصر اللي فکرّت نفسها عمله كان خراب على بيت ابنها الوحيد.
على الناحية التانية، كانت أمل نزل الشارع. الهوا الساقع بتاع الفجر لطش في وِشّها،
بس ممخلّهاش تكمش من البرد؛ بالعكس، حسّت بالنفس بيدْخُل صدْرها صافي ونظيف. ممشي في الحارة والشنطة البنّي بعمل صوت تقيل على الأرض المبلولة.
وصل لأول الشارع العمومي، وقف تسنّى عربية مميكروباص تأخذْها على ممموقف عبّود عشان ترکب من هناك لأوسيم عند بنها. الشارع كان لسه فاضي، والنور الأبيض
متابعة القراءة