قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها كـاملة حكـايات منـي الـسـيد

لمحة نيوز

وتعصرها، وتمسح على وِش الحاجة فاطمة ورقبتها وإيديها بالراحة، وبعدين بصت لجلال وقافت
اتفضل برة بقى عشان نغير الهدوم.. المكان ميساعش لينا حنا الإتنين، وميصحش تفضل واقف هنا.
جلال لَفّ ضهره وخرَج من الأوضة من غير ولا كلمة. تقدر تقول إن كبرياءه اتهد فعلاً. شاف بعينه إن البيت ده ماشي بالمكنة اللي اسمها أمل، وإنه من غيرها عبارة عن خردة صديانة مبتعملش حاجة.
قعد جلال في الصالة على نفس المكان اللي أمل كانت قاعدة فيه. التلفزيون اللي شاشته زرقا كان بيعكس ضوء باهت على الحيطان والصور القديمة اللي متعلقة. صورته يوم فرحهم من تلاتة وعشرين سنة.. كان بشنب أسود كثيف وبدْلة وسيعة على موضة زمان، وهي كانت بفستان أبيض سادة وفرحة مية عينها اللي مبقتش تفرح كده واصل.
سمَع من جوّه الأوضة صوت همس.. مش خناق، بس همس العتاب المكتوم بين الستات.
كده يا أمل؟ تشكيني لجلال؟ تخلي ابني يشوفني في الحالة دي؟ صوت الحاجة فاطمة كان فيه لوم عاجز.
أنا مشكيتكيش يا حاجة ردت أمل وهي بتلبّسها الكلسون الصوف النظيف ابنك هو اللي داخل ومش شايف قدامه، فاكر إن الدنيا بتمشي كده من غير تعب. أنا شايلاكِ بقالي كام شهر من غير ما أنطق، بس هو اللي فاكر إن الخدمة دي بالرّيموت ومبتتعبش وحاجة سهلة.
طب ما أنا ياما شيلت البيت ده يا أمل.. ياما طبخ لكِ و غسلت لكِ لمّا كنتِ تولدي في البنات اللي اتجوزوا وسابونا دول.. الحاجة فاطمة بتحاول تفكّرها بالقديم عشان متبقاش هي اللي خسرانة بالكامل.
كنتِ بتغسلي وطبخي لي يا حاجة، بس كنتِ بتسمّعيني الكلمة عشرة أمل قالتها وجرّت الملاية القديمة بنفضة قوية كنتِ بتقولي لجلال مراتك فالحة بس في الخلفة ممبتجيبش صبيان.
. كنتِ بتكسري نفسي قصاد السلفات والجيران. والنهاردة، بناتي اللي عيبتِ عليهم دول هما اللي بيبعوا لنا القرشين اللي بنجيب بيهم الدوا، لأن ورشة ابنك مبتجيبش حتى حق العيش.
الحاجة فاطمة سكتت. الكلام كان حامي و صادق لدرجة الوجع. نام على المخدة النظيفة اللي أمل لسه ملبساها كيس مغسول بالكلور، ودارت وِشّها للحيطة. مش عشان زعلانة، بس لأن الست لمّا تعجز ممبتلقيش حاجة تداري فيها خيبتها غير الحيطة الساقعة.
خرجت أمل شايلة طشت المية اللي بقى عكر، والملاية المبلولة لفّاها تح باطها. جلال بص لها وهو قاعد، حس إنه عايز يقولها تسلم إيدك، حس إنه عايز يقول أي حاجة تنزل الحمل اللي على صدره، بس اللسان اللي اتعود يجعر ويحكم صعب يقول حقك عليا بسهولة.
المية اللي في السخان خلصت؟ ده كل اللي قدر يقوله، حتة كلام مالوش علاقة بأي حاجة، بس عشان يفتح كلام.
أمل مموقفش. كملت طريقها للحمام، ودلقت المية في البلاعة، ورَمت الملاية في طشت الغسيل بتاع الم لابس اللي مستني الدور الصبح. غسلت إيدها بالصابونة الرغوة الريحة اللمون بعصبية، وطلعت نشفت إيدها في فوطة المطبخ.
وقفت في نص الصالة، وبصت له
السخان شغال يا جلال.. بس البيت ده هو اللي نفسه خلص. أنا الصبح لمّا النهار يشقشق، هلم هدومي في شنطة جلد من بتوع الجهاز، وهروح أقعد عند بني فاطمة في أوسيم.
جلال اتنفض من على الكنبة كأن عقرب لدغه
تروحي فين يا هانم؟ تسيبي البيت لمين؟ وعشان إيه؟ هو خلاص كل كلمتين تقولي لي همشي؟ فاكرة نفسك صغيرة تعملي غضبانة وتروحي لبيوت النسايب تفضحينا؟
الفضيحة هي إني أفضل هنا لحد ما أموت بالسكتة القلبية صوتها طلع ناشف ومفيهوش عياط فعلاً أنا النهاردة عرف إن
مليش مكان هنا. أنت مش شايفني بني آدم.. أنت شايفني مكنة تشتغل بالكرباج. لمّا أمك تتهمني وتكدب وتقول إني ممبرا عيهاش وأنت تصدقها من غير ما تفر، يبقى لقمتي في البيت ده بقت حرام عليا. بنتي جوزها راجل محترم، وبيتها واسع، وهقعد هناك أربي ابنها الصغير، ع الأقل هسمع كلمة تسلم إيدك يا ماما اللي مسمعتهاش منك من عشرين سنة.
جلال قرّب منها، ووشه رجع يحمر تاني بالغضب اللي متغطي بالخوف. هو عارف إنه لو أمل مشيت، البيت ده هيقع على دماغه. مين هيغسل؟ مين هيطبخ؟ مين هيشيل أمه لمّا ينزل الورشة؟ هو مقدرش يقعد ساعة جنب الطشت، هيعمل إيه لو بقى لوحده؟ بس عقلية الراجل اللي بيخاف من كسرة الهيبة خلّته يقول كلام يهد الدنيا زسيادة
لو خرجتِ من الباب ده يا أمل بكرة الصبح.. ملكيش رجوع ليه تاني. وبناتك دول مش هيشوفوا وِشي، والطلاق هيوصل لك لحد بيت بنتك، وخلّي النسايب يفرجوا علينا!
أمل بصت له بطريقة غريبة. نظرة فيها شفقة.. كأنها بتبص لعيل صغير بيخبّط في الحيط من الغباء.
الطلاق يا جلال؟ قالتها وهي بتبتسم ابتسامة صغيرة و موجوعة أنت فاكر الكلمة دي هتخوّفني النهاردة؟ أنا اللي بقالي تلاتة وعشرين سنة متطلقة من الدنيا ومن الراحة عشانك.. كلمة المأذون دي مش هتعمل حاجة غير إنها تمضي على قرار نفّذته أنت بأفعالك من سنين.
سابته واقف في نص الصالة ودخلت أوضتهم تنام. جلال فضّل واقف، والهوا برة كان بيلطش في الشبابيك بعنف، كأن العاصفة اللي برة بنقل نفسها لجوّه البيت.
مقدرش يدْخُل الأوضة ينام جنبها، حس إنه مخنوق. شد الجاكتة من على الأرض، نفض التراب اللي ع ليها، و خرَج من باب الشقة. السلم كان ضلمة واللمبة بترعش. نزل السلم خطوة خطوة،
ورجليه وادياه على طريقه القدِيم.. الورشة.
تحت، الحارة كانت طافية، مفيش غير كلاب الشوارع اللي مسخبية تحت العربيات من المطر. فتح القفل التقيل بتاع باب الصاج، عمل صوت تقيل ومزعج في هدوء الليل. دَخَل الوَرشة، وشَمّ ريحة الجاز والمكات والمطاط القديم. ريحة حريته اللي كان بيهرب ليها، بس النهاردة، الريحة كانت مسممة و ساقعة ومتفرحش واصل.
قعد على كرسي خشب مكسور، وفتح علبة سجاير كليوباترا، ولع سيجارة والد خان طلع ولَفّ حواليه. بدأ يفكر.. بكرة الصبح هيعمل إيه؟ لو أمل مشيت فعلاً، هيقول إيه للناس؟ هيقول للأسطى عبده اللي في الورشة اللي جنبه إن مراته سابته عشان أمه؟ هيشيل الطشت الساعة ستة الصبح لوحده؟
وفي نفس الوقت، جوّه الشقة، أمل كانت مادّة جسمها على السرير، عينها في السقف. مكانتش بتعيط، العياط خلص. كانت بترِتّب في دماغها الحاجات اللي هتأخدْها معاها.. الغيارات المهمة، علبة الصيغة الفاضية اللي مبقاش فيها غير خاتم مكسور من ريحة أمها، و بطاقتها الشخصية. كانت حاسة بخوف.. خوف الست اللي بتهد بيتها بإيدْها بعد العمر ده كله، بس الخوف ده كان فيه نسمة حرية غريبة، نسمة حرية بتققوللها اتنفسي.. لسه فيه عمر باقي. متوفرة على روايات و اقتباسات 
الساعة بقت تلاتة بالليل، والبيت المصري القديم فضّل مقسوم نصين.. نص في الورشة تحت مع الد خان والندم المخلوط بالعناد، ونص فوق مع الشنط
اللي بتتقفل والست اللي قرّرت تشوف نفسها..
والليل مكمّل، والصبح قرّب يطلع بسؤال تقيل يا ترى الباف لمّا يقفل بكرة، هيتقفل على نهاية، ولا على وجع جديد محدش عارف أوله من آخره؟
حكايات مني السيد 
الفصل الثالث 
الساعة كانت ماشية
على خمسة الصبح، والدنيا برة كانت
تم نسخ الرابط