قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها كـاملة حكـايات منـي الـسـيد
المحتويات
ربنا؟ النذالة دي جبتيها منين؟ الست اللي مش عاجباكِ دي هي اللي جابتني الدنيا، وهي اللي عملت جلال اللي أنتِ عايشة في خيره النهاردة!
خيره؟ ضحكت ضحكة مكسورة، ضحكة شبه البكا خيرك اللي هو إيه يا جلال? الورشة اللي مبتجيبش همّها؟ ولا العربية اللي واكلة نص المصروف مصاريف تصليح؟ ولا نومتي في المطبخ طول النهار عشان أصرف وأدبر من جنيه وجنيهين عشان البيت ميقعش? أنا اللي عايشة في خيرك ولا أنت اللي شايل بيتك على أكتاف ست تعبت ومبقتش قادرة تقول آخ؟
ملحقش جلال يرد، ولا كانت هي هتسيب له مساحة. فجأة، من آخر الطرَقة، جاي صوت كحة مكتومة.. كحة شايلة بلغم وتعب الدنيا، وتبعها صوت خبط ضعيف على الكمود ينو اللي جنب السرير. يا جلاااال.. يا ابني.. تعى يا جلال.. المية يا ابني...
الصوت كان مخنوق بالبكا والمرض، بس كان زي السكينة اللي قطعت حبل الكلام بينهم. جلال بص لأمل بنظرة كلها توَعد ووعيد، نظرة كأنه بيقولها حسابك معايا بعدين. ولَفّ ضهره بسرعة، ودَخَل الطرَقة الضلمة ورايح على أوضة أمه الحاجة فاطمة.
أمل فضلت واقفة في مكانها. الدم اللي كان بيغلي في عروقها بدأ يبرد ويسيب مكانه لرعشة ساقعة. البيت المصري في الشتا لمّا يكون فيه خناقة، الحيطان نفسها بتبقى عرقانة همّ. قعدت على طرف الكنبة تاني، مسكت راسها بإيديها الإتنين، والدموع اللي حبستها قصاد جلال نزلت ورا بعضها بصمت، من غير صوت. كانت الساعة داخلة على حداشر بالليل، وصوت المطر برة على الشيش بقى زي طبل المسحراتي اللي بيصحّي الوجع.
جوّه الأوضة، اللمبة السهاري الحمرا كانت مخلية المكان أشبه بأوضة في مستشفى حكومي قديمة. ريحة الفيكس والمسكنات ممالية الجو. الحاجة
تعالى يا حبيب أمك.. تعالى يا جلال قالتها وهي بتمد إيدها اللي جلدها بقى شبه الورق القديم كل ده تأخير يا ابني؟ سايبني هنا مرمية لا مية ولا غطا؟ والهانم بتاعتك قاعدة برة بتتمرجح قدام التلفزيون ولا سائلة فيا. متوفرة على روايات و اقتباسات
جلال قعد على ركبه جنب السرير، باس إيدها وراسها، وصوته اتبدل تماماً، بقى فيه الطيبة والحنية اللي عمره ما وراها لأمل
حقك عليا يا أمي.. متزعليش.. أنا هنا أهو، تحت رجليكِ. كنتِ عايزة تشربي؟
عايزة أشرب، وعايزة الغيار يتغير يا جلال عيّطت الست الكبيرة بمسكنة فيها لؤم قديم الملاية مبلولة ونشفت عليا والساقعة أكلت جسمي. الست أمل دَخلَت رمت لي العشا من ساعتين وكأنها بترمي لقمة لكلب جعان، ومرضيتش تعدلني. قلت لها يا بنتي ضهري بيوجعني، قالت لي أنا مش فاضية لكِ، وخرجت تكمل المسلسل. يرضيك كده يا ابن بطني؟ يرضيك أمك اللي طفحت الدم عشان تكبّرك تتهان في كبرها؟
جلال حس إن نار صعدت لنفوخه. كلام أمه نزل على الخناقة اللي لسه خلصانة برة زي البنزين على النار. هو عارف إن أمه لسانها كان طويل زمان، بس المرض والموت اللي بيقرب بيخلوا الواحد يصدق الأعمى. قام وقف، وعينه لفّت في الأوضة، وشاف طرف الملاية فعلاً مكرمش ومش مظبوط.
والله ما هسكت لها يا أمي.. النهاردة ليلتها طين قالها وهو بيجز على سنانه.
بس الحاجة فاطمة مسكت طرف جاكتته بسرعة
لأ.. لأ يا ابني متعملش مشكلة عشان تنزل تطفش وتسيبني. أنا عارفاها، دي نفسها
الجملة دي نزلت على جلال كبسة حمل تقيل. هو راجل شقيان في ورشة، إيده مش متعوّدة غير على الشحم والمفكات والجاز. يعني إيه يغسل لأمه؟ الموضوع فيه حرج، وفيه تعب، وفيه تفاصيل هو عمره ما فكّر فيها، كان دايماً رامي القصة دي على أكتاف أمل ومريّح دماغه. هنا بس، بدأ يحس بحتة من اللي أمل كانت بتتكلم فيه.. بس كبرياء الراجل ونعرة الصعايدة اللي في دَمّه خلّته يقول وَماله؟ أمي وأنا أولى بها.
خرَج جلال من الأوضة رايح على الحمام عشان يجيب طشت المية الدافية والفوطة. لقى أمل لسه قاعدة مكانها، سرحانة في الفراغ، والتلفزيون صوته مطفي بس شاشته منوّرة الصالة بنور أزرق باهت.
مبصلهاش، ودَخَل الحمام، فتح حنفية السخان. صوت نزول المية السخنة في الطشت البلاستيك كان له رنة عالية في البيت الساكت. أمل سمعت الصوت، وعرفت هو بيعمل إيه. حست بسكينة بتقطع في قلبها؛ معقولة هيعمل كده فعلاً؟ معقولة وصلت الدرجة بينهم إنه يستغنى عنها في البيت كأنها مش موجودة؟
طلع جلال شايل الطشت، بخار المية طع على وِشّه، وحاطط الفوطة القديمة الصفرا على كتفه. عدّى من قصادها من غير ما يبص لها، بس خطواته كانت تقيلة، كأنه رايح جبهة حرب مش رايح يعمل واجب بسيط.
أمل مقدرتش تضل قاعدة. الست المصرية اللي جواها، اللي متربية على الأصول وشيل البيوت، نقحت عليها. الخناقة حاجة، وإن الراجل يعمل شغل الستات ويشوف عورة أمه حاجة تانية تهز البيت هز. قامت و مشيت وراه بالبطء، وقفت على باب الأوضة تراقب من بعيد.
جلال كان
بالراحة يا أمي.. بالراحة.. هعدلك أهو قالها جلال وهو بيمد إيده اللي كانت ناشفة عشان يلمسها. بس الحاجة فاطمة لمّا حست بإيده تقيلة ومش متعوّدة، اتنفضت وصرخت فعلاً من الخبط والوجع لاااا.. أوعى يا جلال.. ضهري هيتكسر.. إيدك ناشفة يا ابني.. وِسّع!.
جلال وقف محتار، العرق بدأ ينزل من جبهته رغم الساقعة اللي تلطش في العضم. الطشت محطوط، والمية بتبرد، وهو واقف محتار مش عارف يبدأ منين ولا يعمل إيه من غير ما يوجعها أو يتخطى حدود اللي ميصحش يتشاف.
هنا، أمل خدت نفس طويل، ودَخَلَت الأوضة بخطوات فيها عزّة نفس وبسالة الست اللي بتنقذ الموقف وهي مجروحة.
أوعى كده يا جلال.. وِسّع يا ابن الناس من طريقي قالتها وهي بتزقه بكتفها بالراحة بس بقوة.
جلال بص لها، كان نفسه يعاند ويقولها ملكيش دَعوة، بس عين أمه اللي كانت بستنجد، وقلة حيلته قصاد الطشت، خلّته يرجع خطوة لورا ويسكت.
أمل شمّرت كمام جلابيتها القطيفة السمرا القديمة. قعدت على طرف السرير، وبإيدين متعوّدة، إيدين فيها سحر الصبر، مسكت الست الكبيرة من تحت باطها و عدِلْتها بحنكة تمنع الوجع. الحاجة فاطمة منطقتش، كتمت صوتها، بس عينها كانت مكسورة وهي شايفة إن اللي بتكرهها هي الوحيدة
اللي عارفة تشيل عجزها.
هات الفوطة يا جلال أمل طلبتها من غير ما تبص له، نبرتها كانت شبه الحكيم اللي بيعج جرح في المعركة.
ناوِلها الفوطة
متابعة القراءة