هـي الجبنـة راحـت فيـن؟ كـاملة حكـايات منـي الـسـيد

لمحة نيوز

مستورد!
أحمد أول ما شاف المنظر، قدم رجل وأخر رجل، وحس إن ركبه مش شايلاه. قرب من المكتب وقال بصوت واطي ومكسور
السلام عليكم... أنا أحمد، اللي حضرتك كلمتني من شوية.
مدير الأمن رفع عينه وبص لأحمد وآية، وهز راسه بأسف
أهلاً يا باشمهندس أحمد. اتفضل استريح. أنا أسف إني كلمتك في موقف زي ده، بس إحنا لقينا رقمك متسجل تحت اسم ابني أحمد البار على تليفون الست الوالدة، وقولت أجيبك الأول قبل ما نطلب شرطة النجدة ونعمل إجراءات رسمية تضر بالست في السن ده.
أحمد بص لأمه اللي أول ما شافت ابنها، خبت وشها في كم عبايتها وبدأت تصوت وتعيط بصوت واطي
سامحني يا أحمد يا بني... وحياة غلاوتك غصب عني... الشوشرة لمت عليا الناس!
أحمد لف لمدير الأمن وقال والدموع في عينيه
حصل إيه بالظبط يا فندم؟ وتمن الحاجات دي كام؟ أنا مستعد أدفع تمنها وتمن تمنها، بس بلاش بوليس وبلاش فضايح!
مدير الأمن سحب تقرير صغير من قدامه وقال بجدية
الحكاية يا باشمهندس إن الست الوالدة مكنتش دي أول مرة تدخل الفرع هنا. الكاميرات في غرفة المراقبة مرقباها بقالها تلات أسابيع. كل يوم سبت بتدخل، تشتري كيس ملح أو زجاجة مية صغيرة وتدفع تمنهم عند الكاشير عادي أوي. بس ركن المراقبة لقط إنها بتدخل الممرات الجانبية اللي مفيهاش رجل كتير، وبتفتح الشنطة الكحلي دي وتعبّي فيها حاجات غالية وحجمها صغير ومبتعديش بيها على الكاشير. النهاردة، موظف المراقبة تتبعها خطوة بخطوة، وأول ما عدت خط الكاشيرات ومن غير ما تدفع، أفراد الأمن استوقفوها وطلبوا يفتشوا الشنطة. وطبعاً لقوا الحاجات دي، والإجمالي بتاع النهاردة بس داخل في ألفين ونص جنيه! ده غير المرات اللي فاتت اللي متسجلة عندنا في الفيديوهات ومحسوبة.
أحمد حط إيده على وشه ومش قادر يتكلم. آية هنا اتدخلت، وبصت لمدير الأمن ونطقت بنبرتها المحاسبية الهادية اللي فيها ذكاء
يا فندم، إحنا مقدرين جداً أمانتكم وشغلكم، وإحنا ناس محترمين وبنتق الله. الست كبيرة في السن، وزي ما حضرتك شايف، يمكن يكون عندها تعب نفساني أو حاجة بتخليها تعمل كده من غير وعي، لأن حالتها المادية ميسورة جداً ومش ناقصها حاجة في بيتها. إحنا مستعدين ندفع غرامة تمن الحاجات كلها
بتاعة النهاردة والمرات اللي فاتت اللي متسجلة في الكاميرات، ونتعهد لك بكتابة إقرار إن الست مش هتعتب السوبر ماركت ده تاني أبداً وطول حياتها. بس بلاش محضر وبلاش فضيحة وقسم شرطة، عشان خاطر ابنها المهندس ومستقبله وشغلنا.
مدير الأمن بص لآية بتقدير، وحس إن كلامها عاقل وموزون. بص لأحمد وقال
عشان خاطر كلام المدام، وعشان شكلكم ناس ولاد ناس وأنا مش غاوي خراب بيوت وفضايح لست في عمر والدتي... أنا هقبل التصالح الودي. الحاجات دي تمنها بالمرات اللي فاتت المحسوبة حوالي سبعة آلاف جنيه. هتدفعوهم في الخزنة كتعويض، وتكتبوا تعهد بعدم دخول الست الفرع تاني، وتاخدوها وتمشوا في هدوء من الباب الخلفي.
أحمد فتح محفظته بسرعة، بس لقى الفلوس اللي معاه متكملش تلاتة آلاف جنيه. بص لآية بعينين مكسورة وتايهة. آية من غير ما تتكلم، فتحت شنطتها الكروس، وطلعت رزمة الفلوس اللي كانت لسه واخداها من حسن وحسين الأسبوع اللي فات تمن الأكل المسروق! عدت أربعة آلاف جنيه كملت بيهم على فلوس أحمد، وحطتهم على المكتب
اتفضل يا فندم، الفلوس اهي كاملة وشاملة.
بعد نص ساعة، كانت الإجراءات خلصت. خرجوا من الباب الخلفي للسوبر ماركت؛ باب البضائع والمخازن عشان ميروحوش من قدام الكاشيرات والناس تتفرج عليهم.
الست ميرفت كانت ماشية بتجر رجليها، ووشها في الأرض، والكسرة والذل باينين عليها بجد المرة دي. مكنش وش المسكنة بتاع زمان، كان وش حرامي اتكشف قدام الغريب والقريب واتسحب منه البرستيج الكداب.
أحمد وقف في ممر جانبي فاضي، ولف لأمه وبص لها بعيون ناشفة ومفيهاش أي ذرة عطف
ليه يا أمي؟ ليه؟ بتسرقي بيتي وبسكت وبقول ماشي أمي وبتوفر لأخواتي... لكن توصلي تسرقي بره في المحلات الكبيرة وتفضحيني وتفضحي اسمي؟ أنتِ ناقصك إيه؟ المعاش ومعاكي، وفلوس حسن وحسين معاكي! بتعملي كده ليه؟ فهميني عشان هموت!
الست ميرفت قعدت على طوبة كبيرة في الممر، وبكت بحرقة وغطت وشها
غصب عني يا أحمد... غصب عني يا بني! الموضوع بقا زي المرض في دمي! أنا من ساعة ما أبوكم مات وحسيت بالوحدة، وبقيت أدخل المحلات ألاقى الحاجه غالية والناس بتشتري، بقيت أحس بمتعة وأنا باخد الحاجه من وراهم وبحطها في الشنطة وبخرج
ومحدش حاسس بيا. بقيت أحس إني شاطرة وبوفر الفلوس عشان أشيلها للزمن ولأخواتك الغلابة. الموضوع بدأ بحتة جبنة صغيرة من الدكان اللي تحت... ولما لقيت محدش بيكشفني، الموضوع كبر في دماغي وبقيت أعمل كده دايماً. ياما دخلت بيوت جيراني وأصحابي وأخدت حاجات صغيرة وكنت بفرح أوي بالشنطة الكحلي وهي مليانة! سامحني يا بني... أنا مريضة... مريضة والله والشهوة دي غلبتني!
آية وقفت وبصت لها بذهول مقترن بشفقة خفيفة. المرض النفسي ده اسمه كلبتومانيا أو هوس السرقة، بس الست ميرفت خلطت المرض النفسي بالطمع وحب التوفير على حساب بيوت الناس وشقاهم.
آية بصت لأحمد وقالت له بصوت حاسم
أحمد... الكلام واللوم هنا ملوش لازمة. مامتك محتاجة دكتور نفسي يتعالج معاه، ومحتاجة قبل الدكتور... حبس منزلي! الست ميرفت متخرجش من باب بيتها تاني لوحدها أبداً.
أحمد هز راسه بالموافقة وعينه مليانة قسوة
عندك حق يا آية.
بص لأمه وقال بنبرة مفيهاش تراجع
اسمعي يا أمي... ده أخر كلام عندي. المفتاح بتاع شقتي معايا، والمصروف مقطوع. ومن النهاردة، الشنطة الكحلي دي هتترمي في الزبالة قدام عيني حالا! وتاني حاجة... أنتِ مش هتخرجي من باب شقتك إلا ومعاكي حسن أو حسين، هما اللي يشتروا لك طلباتك ويدفعوا تمنها من معاشك. وأنا هكلم دكتور نفساني أصحابي معرفة، وهيجيلك البيت يعالجك من القرف والمرض ده من غير ما حد من الجيران يحس. ولو عرفت إنك عتبتي الشارع لوحدك أو دخلتي دكان، أنا بنفسي هروح أبلغ حسن وحسين باللي حصل النهاردة وأسلمهم الفيديوهات، وأقاطعك ليوم الدين! يلا قومي معايا عشان أوصلك لبيتك، واليوم ده يتنسي من حياتنا خالص.
قامت الست ميرفت منكسرة، ومشت في وسطهم كأنها سجينة بتتسحب لزنزانتها. وصلوها لحد باب شقتها، وأحمد قفل الباب وراها بالمفتاح وسابهولها من جوه، ونزل وهو حاسس إن روحه اإتأثرت بس عقله رجعله.
لما رجعوا شقتهم في شبرا، قفلوا الباب. آية دخلت المطبخ، لمت البن المدلوق على الرخامة، وغسلت إيدها، وعملت اتنين فنجان قهوة بوش مظبوط زي ما أحمد بيحبهم.
خرجت الصالة، لقت أحمد قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه والسكوت مالي المكان. حطت الفناجين على التربيزة وقعدت جنبه، وحطت
إيدها على كتفه
اشرب القهوة يا أحمد... عشان تفوق.
أحمد رفع راسه، وبص لآية بعيون كلها امتنان، ومد إيده مسك إيدها وباسها بحرارة
أنا مش عارف أشكرك إزاي يا آية. أنتِ النهاردة حمتيني من مصيبة، ودفعتي الفلوس اللي كانت معاكي من غير ما تفكري ثانية في حقك أو في المشاكل اللي كانت بينك وبين أمي. أنتِ بجد بنت أصول وزوجة صالحة، وأنا عمري ما هنسالك الموقف ده طول ما أنا عايش.
آية ابتسمت ابتسامة هادية وصافية، وقالت بذكاء وحكمة المرأة المصرية الأصيلة
يا أحمد يا حبيبي... إحنا قفلنا الصفحة دي خلاص. أمك مريضة ومحتاجة علاج، والحمد لله إن الموضوع وقف لحد كده واتسترنا قدام الغريب والبوليس. الفلوس تروح وتيجي، المهم إن بيتنا رجعت له حرمته وأمانه. تلاجتنا بقت عمرانة بخيرنا، ومفيش حد هيدخل ياخد لقمة عيالنا من وراك تاني. إحنا وفرنا وصنا شقانا، والحمد لله الغمة انزاحت عننا.
أحمد ابتسم لأول مرة من الصبح، وأخد نفس عميق وحس إن صدره انشرح
الحمد لله يا يويا... الحمد لله. بكرة الصبح إن شاء الله هننزل مع بعض نستلم العربية الجديدة اللي حجزناها، ونبدأ صفحة جديدة خالص في حياتنا، مفيهاش غير الصدق والورقة والقلم والوضوح.
آية هزت راسها وضحكت
بالظبط كده... واحد زائد واحد بيساوي اتنين، وال حسابات دايماً بتكسب في الآخر!
ومرت الأيام والشهور على آية وأحمد في سعادة وهدوء. الميزانية بقت مظبوطة على الشعرة، والعربية الجديدة بقت تحت البيت بتفسحهم وتسهل عليهم مشاوير الشغل في التجمع وشبرا. الست ميرفت بدأت رحلة العلاج النفسي مع الدكتور في بيتها، وتحت مراقبة شديدة من حسن وحسين اللي بقوا يتناوبوا على خدمتها وشراء طلباتها بخوف وحذر عشان الفضيحة متطلعش بره العيلة. والتلاجة في شقة آية فضلت دايماً مليانة، وقالب الجبن فضل في مكانه محفوظ ومتغلف، يشهد على إن الذكاء والوقفة الحاسمة هما اللي بيحموا البيوت من الخراب والنهب، وإن الصدق دايماً هو حبل النجاة لأي زوجين عايزين يبنوا حياتهم على أساس متين.
تمت الرواية بحمد الله 
أتمنى تكون القصة عجبتكم ونالت رضاكم وعشتوا مع تفاصيلها ومواقفها الواقعية!
متبخلوش بالدعم واللايك والكومنت الجميل عشان يوصلكم كل جديد
وحصري من الحكايات والقصص المشوقة القادمة

تم نسخ الرابط