هـي الجبنـة راحـت فيـن؟ كـاملة حكـايات منـي الـسـيد
المحتويات
الشاشة قدام عيونهم علطول وقالت
اتفضل يا أستاذ حسن... اتفرج يا كابتن حسين. اتفرجوا على الست الوالدة البركة الطاهرة الساجدة وهي بتخدمنا في غيابنا الظهرية!
في الأول، حسن وحسين اأتمنعوا يبصوا، بس الفضول والصوت العالي بتاع الفيديو أجبرهم. الشاشة كانت جايبة مطبخ آية بمنتهى الوضوح والجودة العالية. وظهرت الست ميرفت وهي بتفتح الباب بالنسخة اللي معاها، وتدخل تلف حولين نفسها بخفة ونشاط غريب مبيظهرش في صالة بيتها!
حسن عينه اتسعت وصوته اأكتم. وحسين فتح بقه وشه اأتقلب.
الفيديو كان شغال الست ميرفت بتفتح التلاجة، وتطلع علبة الجبنة الكيري وتحطها في الشنطة الكحلي. وبعدين تاخد كيس اللحمة المفرومة وتكشفه وتأخده هو كمان. وتفتح ضلفة الخزين وتطلع زجاجة الزيت وكيسين المكرونة، وقالب الزبدة النيوزيلاندي الغالي وهي بتقطعه وتحطه في جيب عبايتها بحذر وبتبص وراها بخبث!
الصالة اأتحولت لثلاجة! مفيش صوت غير صوت الفيديو وصوت السوستة بتاعت الشنطة الكحلي وهي بتقفل في الموبايل.
الست ميرفت لما لقطت تفاصيل الفيديو من بعيد، وسمعت صوت حركتها في الموبايل، المنديل وقع من إيدها، ووشها بقى أبيض زي القماشة، والسبحة اتدلدلت من صوابعها وهي مش قادرة تنطق بكلمة واحدة. الحيلة اأتكشفت، والتمثيلية اأتهدت فوق راسها ب فيديو تمنه دقائق معدودة.
آية سحبت الموبايل وقفلته وحطته في شنطتها تاني، وربعت إيدها وبصت لحسن وحسين اللي كانوا قاعدين زي التماثيل ومش قارين يرفعوا عينهم في عين أحمد أو في عين آية. الكسوف والخزي كان مالي المكان.
قالت آية بنبرة حادة وقوية
ها يا أستاذ حسن؟ يا ترى اللحمة المفرومة والزيت والمكرونة والزبدة دول كانوا من ضمن الدعوات والبركة اللي طنط بتسيبهم في الشقة؟ يا ترى قالب الجبن التقيل ولانشون الفراخ وبرطمان النسكافيه الغالي اللي كانوا بيتبخروا بقالهم شهرين، دول القطة تيمو هي اللي كانت بتفتح التلاجة وتشيلهم في الشنطة الكحلي؟ طنط ميرفت كانت بتدخل شقتي تسرق شقايا وتعب جوزها وتفضي تلاجتنا اللي بنحرم نفسنا عشان نملاها، وتروح تعمر بيوتكم أنتوا الاتنين بالأكل المستورد والغالي اللي إحنا مش قادرين ناكله!
حسين بلع ريقه وبص لأمه بصة عتاب وكسوف، وحط راسه في الأرض. وحسن، اللي كان من شوية بيزعق ويطربق البيت، صوته حشرج وقعد على الكرسي وهو مش عارف يودي وشه فين من أخوه الصغير أحمد اللي ظلموه.
أحمد أخد خطوة لقدام، ولأول مرة صوته يطلع بقوة وعينيه تدمع من القهر
بقا دي أمي؟ دي أمي اللي كنت بخانق مراتي
الست ميرفت بدأت تعيط بجد المرة دي، دموع خوف وخزي وفضيحة، وقالت بصوت متقطع
يا بني... يا أحمد وحياة غلاوتك... أنا... أنا كنت باخد الحاجة عشان أخواتك مزنوقين... وقولت أنت حالك ميسور وربنا كرمك...
آية قاطعتها بمنتهى القسوة
حاله ميسور؟ إحنا بنحوش القرش على القرش وبنجيب أكلنا بالورقة والقلم عشان نشتري عربية نمشي بيها أمورنا! إحنا بنموت في الغلا ده عشان نأمن بكرة، وتيجي أنتِ تاخدي خزين الأسبوع بحجه إن إخواته مزنوقين؟ هما مزنوقين ينزلوا يشتغلوا ويطفحوا الدم زي أحمد وزيي، مش يعيشوا على قفانا وسرقة تلاجتنا!
حسن وقف وهو باصص للأرض، وقال بصوت واطي ومكسور
خلاص يا آية... خلاص يا أحمد. الموضوع انتهى، وحقكم علينا. إحنا مكنّا بجد نعرف إن الحاجة دي بتيجي بالطريقة دي، أمي كانت بتقول لنا إنها شارياها من معاشها أو إن أحمد هو اللي جايبها لها زيادة. إحنا أسفين يا أحمد، واقفل على الموضوع ده وبلاش فضايح بره العيلة.
آية بصت لحسن وقالت له
الموضوع يقفل بشرطي يا حسن، وإلا والنعمة الشريفة، الفيديو ده هيكون على جروب العمارة وجروب العيلة وجروبات الفيس بوك كلها تفرج مصر كلها على الست الحاجة!
حسين رفع راسه مخضوض
شروط إيه تاني يا آية؟ ما خلاص الست اتفضحت والقرشين اأقطعوا والمفتاح اتأخد!
آية فتحت نوتة صغيرة من شنطتها وقالت
الشروط كالتالي بالورقة والقلم، كل كيلو لحمة، وكل قالب جبن، وكل زجاجة زيت وسجق ولانشون ونسكافيه اأتاخدوا من بيتي على مدار الشهرين اللي فاتوا، تمنهم محسوب هنا بالظبط بأسعار السوبر ماركت بتاعة النهاردة؛ الإجمالي تمنية آلاف جنيه مصري! المبلغ ده، حسن وحسين هيدفعوه بالنص حالا، أو بكرة الصبح كحد أقصى، لأن الأكل ده دخل بطونكم وبطون عيالكم. وتاني شرط... طنط ميرفت متدخلش شقتي تاني أبداً، ولا في وجودي ولا في غيابي، والود اللي بيني وبينها انقطع تماماً لحد ما أموت. وأحمد لو عايز يود أمه، ينزل يودها في بيتها هنا، ومن غير ولا مليم زيادة من ورايا!
حسن بص لأخوه حسين، وبصوا لأمهم اللي قاعدة تعيط ومنكسرة، ومكنش قدامهم أي حل غير الموافقة. حسن طلع محفظته وطلع منها أربعة آلاف جنيه وحطهم
دول نصي يا أحمد... وحسين هيجيبلك نصيبه بكرة الصبح في الشغل. والشرط التاني مقبول، ومحدش هيعتب بيتك تاني.
آية مدت إيدها، ولمت الفلوس ببرود وثقة، وحطتها في شنطتها. بصت لأحمد وقالت له
يلا يا أحمد، فطارنا برد في الشقة، وإحنا ورانا مشاوير النهاردة.
خرجت آية وأحمد من الشقة، وقفلوا الباب وراهم، وسابوا صالة الست ميرفت مولعة نار؛ خناق وزعيق بين حسن وحسين وأمهم اللي فضحتهم وخلت راسهم في الأرض قدام أخوهم الصغير ومراته المحاسبة.
لما طلعوا الشارع، أحمد كان ماشي ساكت، بس حاسس إن في حمل انزاح من على قلبه، وإنه نجى من فخ كبير كان ممكن يهد حياته. بص لآية، اللي كانت ماشية جنبه ومبتسمة ابتسامة نصر رايقة، وقال بنبرة مليانة ندم وامتنان
آية... أنا أسف للمرة المليون. أنتِ بجد طلعتي ب مية راجل، وحميتي بيتنا وفلوسنا. أنا من النهاردة مش هخبي عليكي الهوا، وكل مليم هيدخل ويخرج هيبقى تحت إيدك وبالورقة والقلم.
آية مسكت إيده وحضنتها بحب وقالت
إحنا شركاء يا أحمد، والبيت اللي ملوش باب، الكل بيطمع فيه ويستبيحه. إحنا قفلنا الباب بالضبة والمفتاح، وبكرة بتاعنا وهيبقى أحسن بكتير.
مرت الأيام، وجه شهرين تانين. الشقة بقت هادية، الميزانية بقت مرتاحة جداً والفلوس بدأت تفيض لدرجة إنهم حجزوا العربية الجديدة خلاص واستلامها بعد أسبوع. أحمد قطع المصروف والزيارات تماماً، وبقى ينزل لأمه مرة كل أسبوع ساعة واحدة يطمن عليها ويرجع، والست بقت تقعد معاه وهي حاطة راسها في الأرض ومن غير ما تطلب مليم أو تفتح بؤها بكلمة.
وفي يوم السبت، وآية قاعدة في المطبخ بتعمل قهوة الصبح ومبسوطة بالهدوء، لقت موبايل أحمد رن برقم غريب. أحمد فتح الخط وسكت شوية، وفجأة وشه اأتقلب ولقينا الموبايل وقع من إيده على الأرض وهو بيصرخ
يا نهار أسود!!! طنط ميرفت؟؟؟ أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟!
آية جريت عليه وال رعبة مالية قلبها
في إيه يا أحمد؟ طنط ميرفت مالها؟ حصل إيه؟!
أحمد بص لها وعيونه طالعة لبرة من الصدمة والرعب، وقال بصوت بيترعش تماماً
آية... أمي... أمي اتقبض عليها في السوبر ماركت الكبير اللي في أول الشارع... ممسوكة متلبسة وهي بتسرق!!!
وقعت الكلمة على ودان آية زي رقعة الرعد. صرخة أحمد وصوته اللي كان بيترعش خلّوا برطمان القهوة يفلت من إيدها ويقع على الرخامة، ويتدلق البن في كل مكان. بصت لجوزها اللي كان واقف مسمر في مكانه، وشه اتقلب أبيض زي الحيطة، وعينيه بتلف في الصالة كأنه مش مستوعب الكلام اللي
اتقبض عليها؟ اتقبض عليها بتسرق في السوبر ماركت الكبير؟! قالتها آية بصوت واطي ومخضوض، وهي بتقرب من أحمد اللي كان بيحاول يلم موبايله من على الأرض وإيديه بتترعش بطريقة غريبة.
أحمد بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع مخنوق ومبحوح
أيوة يا آية... المدير بتاع الأمن هناك كلمني من موبايلها. بيقولي الست الوالدة ممسوكة في الماركت اللي في أول الشارع الرئيسي، ومعاها حاجات في الشنطة الكحلي مش دافعة تمنها، والناس هناك لَمّوا عليها أمن الفرع وعايزين يطلبوا لها النجدة ويعملوا محضر سرقة علني! أنا لازم أنزل حالا يا آية... دي فضيحة! فضيحة بجلاجل وسط المنطقة والناس كلها عارفانا!
آية، برغم الصدمة، عقلها المحاسب المرتب مأقفلش. اأتنفسّت بسرعة وظبطت وقفتها وقالت بحسم
استنى يا أحمد، أنا نازلة معاك. مش هسيبك تروح هناك لوحدك وتتصرف بعضبية وتضيع حقنا أو تلبسنا مصيبة. البس قميصك بسرعة ويلا بينا.
نزلو الشارع والخطاوي كانت بتسبق الأرض. الشارع كان زحمة وهوا الصبح بيخبط في وشوشهم، بس أحمد مكنش حاسس بأي حاجة حواليه. كان ماشي وعرقان، ودماغه بتودي وتجيب. أمه؟ الست الحاجة ميرفت اللي لسه مصلية وفضحاهم من أسبوعين عشان الأكل، تروح تسرق من محل غريب؟ وليه؟ وهي معاها الفلوس ومعاشها بيكفيها، وحسن وحسين لسه دافعين تمانية آلاف جنيه يعني بيتها عمران خير!
وصلوا السوبر ماركت الكبير؛ فرع ضخم مكون من دورين وعليه حركة ورجل كتير. دخلوا من الباب الزجاج، وأحمد سأل الكاشير اللي على الباب بنبرة مهزوزة ومكسوفة
لو سمحت... فين مكتب مدير الأمن هنا؟
الكاشير بص له بنظرة فيها شفقة وفهم علطول
اطلع الدور التاني يا فندم، أول ممر على اليمين ورا قسم الأجهزة الكهربائية.
طلعوا السلم الكهربائي وآية كانت ماسكة إيد أحمد بتشد من أزره، مش حبّاً في حماتها، بس حماية لاسم جوزها وكرامته اللي هي من كرامتها. وصلوا المكتب، وخبط أحمد ودخل.
المكتب كان تكييفه ساقع أوي، وفي النص كان فيه مكتب خشب كبير قاعد وراه راجل تلاتيني ببدلة كحلي ووشه جاد جداً، وجنبه اتنين من أفراد الأمن بالزي الرسمي. وفي الركن، على كرسي جلد مقطوع، كانت قاعدة الست ميرفت!
منظرها كان يقطع القلب ويقهر في نفس الوقت. كانت لامة نفسها، وإيشاربها مبهدل ومطوح على كتافها، وعينيها حمرا وورامة من العياط الخوف. وعلى مكتب المدير، كانت محطوطة الشنطة الكحلي القماش إياها... ومفتوحة برُخص! ومطلعين منها علبتين كريم بشرة غاليين أوي مستوردين، تلات برطمانات زبدة فول
متابعة القراءة