طفلة تنقذ موعد امها "ماما تعبانة.. فجيت أنا بدالها." بقلم منــي الـسـيد
جرس الباب بتاع الكافيه الصغير رن رنة خفيفة وهادية.
إياد رفع عينه من كوباية القهوة السادة اللي ملمسهاش، وكان جواه يقين إن القعدة دي كلها غلط في غلط.
المواعيد المدبرة دي معمولة للناس اللي لسه عندها أمل إن الدنيا ممكن تفاجئهم بحاجة حلوة، لكن إياد، وهو داخل على الأربعين، مابقاش يؤمن غير بلغة الأرقام، والعقود، والخطط البديلة. كان بيؤمن بالجزمة المتلمعة، والبيوت الهادية، وبإنه يدفن حزنه في مكان مفيش مخلوق يقدر يوصل له بقلم الكاتبة مني السيد
ماكنش بيؤمن بالقدر.. ولا بفرص تانية.
وأكيد ماكنش مصدق إنه قاعد في كافيه صغير في المعادي مستني واحدة عمره ما شافها.
هو وافق بس عشان أخته سارة زهقت من كتر ما بيقولها أنا تمام، وعشان السكرتيرة بتاعته، اللي خدت عليه خلاص، قالت له في مرة بجرأة إنت بتدير الشركة زي المكنة يا بشمهندس إياد، بس حياتك فاضية وباردة.
فاستسلم.. متوفرة على روايات و اقتباسات..فنجان قهوة واحد..
مقابلة واحدة..
وبعدها يرجع لبيته الهادي وحياته اللي مفهاش صوت.
الست اللي كان مستنيها اسمها ندى.
بتعمل حلويات في البيت..
أرملة..
وأم لبنت صغيرة.
أخته قالت له إنها ست ب راجل، وطيبة، ومن نوع الناس اللي بتعافر مهما الدنيا جت عليهم.
الساعة جت 315 بالظبط.. الجرس رن تاني.
إياد عدل وقفته وتلقائيًا شد ضهره..
بس
كانت بنت صغيرة..
عندها حوالي خمس سنين، ضفايرها منكوشة شوية، ولابسة جاكيت أصفر زرايره مقفولة غلط، وكوتشي بينور مع كل خطوة. كانت حاضنة شنطة ظهر بينك كأنها درع حاميها من العالم.
وقفت قدام تربيزته..
بصت في عينه مباشرة.. متوفرة على روايات و اقتباساتورفعت راسها بشجاعة متليقش أبداً على ملامحها الصغيرة دي..وقالت بكل وضوح، سبع كلمات هزوا كيانه من جوه
ماما تعبانة.. فجيت أنا بدالها عشان متزعلش.
كل حاجة في إياد اتجمدت..
صوت مكنة القهوة..
خبط المعالق..
حتى المزيكا الهادية اللي في المكان..
كل ده اختفى ورا الكلمتين دول.
بربش بعينه بذهول إنتي.. جيتي بدالها؟
هزت راسها كأن الموضوع بديهي ومش محتاج شرح.
قالت بجدية هي سخنة أوي، وبتكح من الصبح.. ومكنتش عاوزة تلغي المعاد تاني.
وبعدين ضافت بمنتهى الحزم أنا اسمي ليلى.. عندي خمس سنين وتلات تربع، والتلات تربع دول مهمين جداً.
حس إياد بوجع غريب وحنين بيتحرك في صدره.
وطى بجسمه شوية عشان ميبقاش عالي عليها، وقال بصوت واطي أه طبعاً يا ليلى.. التلات تربع دول أهم حاجة.
فضلت ليلى تتفحصه بعينيها، كأنها بتشوف الشخص ده أمان ولا لأ..
وظاهر إنه نجح في الاختبار.
اعترفت له بهمس هي متعرفش إني جيت.. بس هي دايمًا حزينة، وتعبانة، وأنا مكنتش عاوزاك تفتكر إنها مش مهتمة. بقلم
الكلام كان بسيط..
بس نزل عليه زي الصاعقة.
إياد بص ناحية الباب، كأن ندى هتظهر دلوقتي حالا وتفسر الموقف الخيالي ده..
بس محدش ظهر.
ليلى بس هي اللي كانت واقفة، بتحاول بكل قوتها الصغيرة إنها تحمي مامتها من خذلان جديد.
قالها بحنان مكنش يعرف إنه لسه جواه أنا مبسوط جداً إنك جيتي.
كتاف ليلى الصغيرين هديوا وبان عليها الارتياح.
ممكن أقعد؟
سحب لها الكرسي اللي قدامه اتفضلي طبعاً.
طلعت على الكرسي وهي بتنهج نهجة صغيرة من المجهود، حطت شنطتها في حجرها، وربعت إيديها كأنها في اجتماع مجلس إدارة.
لما الويتر جه وهو مستغرب، ليلى حلت الموقف بسرعة. متوفرة على روايات و اقتباسات قالت له أنا عاوزة كاكاو باللبن.. وعليه مارشميلو كتير لو سمحت.
وبعدين بصت لإياد وقالت
وهو كمان محتاج حاجة مسكرة، عشان باين عليه إنه زعلان.
الويتر ضحك..
وإياد نفسه كان هيضحك من قلبه لأول مرة من سنين.
قال وهو بيبتسم الكاكاو فكرة ممتازة فعلاً.
ليلى وشها نور بضحكة فخر، وهي حاسة إنها أنقذت الموقف.. وأنقذت قلب الراجل اللي قدامها كمان.
فضلوا قاعدين في الكافيه الصغير ده، رجل أعمال شايل الدنيا فوق كتافه وبنت صغيرة لسه بتغلط في زراير جاكيتها.. وبدأت أغرب مقابلة في حياة إياد.
ليلى كانت بتقلب الكاكاو بحماس لدرجة إن نص الكوباية كان هيتدلق
حكت له إن مامتها بتعمل أحلى سينابون في الدنيا، وإن ريحتها دايمًا بتبقى سكر وزبدة لما بترجع من الشغل. وقالت له إن مامتها ضحكتها بتملى المطبخ أكتر من أي مكان تاني، بس من ساعة ما باباها توفى، ندى مابقتش تضحك كتير في البيت متوفرة على روايات و اقتباسات إياد سألها بحذر وهو بابا اتوفى إزاي؟
ليلى نزلت المعلقة من إيدها وقالت بجمود في موقع بنا.. من زمان. بس مش زمان أوي، عشان ماما لسه بتعيط لما بتفتكر إني نمت.
صوتها مكنش فيه شفق على نفسها، كانت بتقول حقايق.. مجرد ذكريات.
إياد ريقه نشف.. هو عارف يعني إيه حزن بيسكن في الروح ومبيخرجش، عارف يعني إيه تشيل الخسارة جوه جسمك زي هيكل عظمي تاني تحت جلدك.
ليلى كملت حكاياتها..
ساعات بيتعشوا كورن فليكس ويسموه رحلة عشان يحسوا إنه دلع.
وساعات مامتها بتقعد تعد الفلوس على تربيزة المطبخ بعد ما ليلى المفروض تكون نامت.
وساعات ندى بتسرح وهي قاعدة بليل، وبتبص للفراغ لوقت طويل.
ليلى وطت صوتها وقالت بتقول إنها كويسة.. بس أنا مش مصدقة.
إياد بص للبنت اللي