هـوس النقـاء كـاملة بقلـم منـي السـيد
بسرعة، وتختلط بالرغوة الوسخة، بس هي مكنش فارق معاها.
زريبة؟ كررت الكلمة ببرود يخوف، صوتها كان أهدى بكتير من رعب وائل، بس كان فيه تهديد خلى وائل يرجع لورا غصب عنه وهو بيدوس على الكسر بكعبه. لأ يا وائل.. دي مش زريبة. دي حرية.
خطت فوق بركة المية وقربت منه جداً. الصدمة خليته ينحني شوية وهو باصص للدمار، فبقوا في نفس الطول تقريباً. إنجي بصت في عينيه، مكنش فيه نوم، ولا خوف.. كان فيه كره صافي وواعي.
هست في وشها فاكر إن ده تربية؟ فاكر إنك بتعلمني النظام؟ لأ.. أنت مجرد مريض بيتغذي على إهانة الناس. أنت مش دقيق يا وائل، أنت سادي بتداري شهوتك في التحكم ورا شعارات النظافة.
صرخ وائل وهو بيحاول يسترد سيطرته اسكتي! أنتِ هببتي إيه! بصي للأرض! مين هينظف القرف ده؟
قالت إنجي وكل كلمة بتنزل زي الحجر مش فارق لي مين هينظفه.. الحسه بلسانك لو عايز. أنا خلاص مش هلعب معاك تاني. أنا مش عسكري في معسكرك، ولا سجينة في زنزانتك المعقمة. مصحيني في نص الليل عشان كوباية؟ بجد؟ بتهد نومي وصحتي وعقلي عشان حتة فخار ب تعريفة؟
وشه بقى عليه بقع حمراء من الغل وصاح فيها النظام هو أساس البيت! من غير نظام مفيش حاجة! أنتِ مهملة! أنتِ وسخة! مابتعرفيش حتى تديري بيت!
ضحكت إنجي ضحكة ناشفة كأنها بتهوهو بيت؟ ده مش بيت يا وائل.. دي أوضة عمليات. أنت عايش في متحف عامله لنفسك. أنت مش بتحبني، أنت بتحب رصات الهدوم ولمعة الحنفيات. أنت متجوزتش ست، أنت اتجوزت وظيفة تنظيف. بس عارف إيه؟ الوظيفة باظت. الروبوت بطل يشتغل.
شاطت حتة سيراميك كبيرة برجلها، فجريت على الأرض وعملت صوت صرير لحد ما خبطت في التلاجة. وائل اتنفض كأنها شاطته هو.
صوت وائل طلع مسرسع من الصدمة إياكي! أنتِ بتجرحي الأرضية! وقفي الجنان ده حالاً! هاتي المقشة.. حالاً!
ميلت راسها وبصت له بفضول ساخر وإلا إيه؟ هتعمل فيا إيه؟ هتخليني أغسل الوزرة بفرشة سنان؟ هتمنع عني العشا؟ هتحطني في الركن؟ أنت غلبان أوي يا وائل.. مجرد طاغية صغير ومهزوز بيخاف من ذرة تراب أكتر ما بيخاف من يوم القيامة.
حاول يمسك كتفها مش هتخرجي من هنا إلا لما تنظفي ده!، بس إنجي نفضت إيده بقوة.
قالت بهدوء خلاه يترعش ماتلمسنيش.. إياك تلمسني بإيدك المعقمة دي تاني. كنت عايز نظافة؟ كنت عايز تخلص من القذارة؟ مبروك.. أنا القذارة اللي بوظت عالمك المثالي.. وأنا ماشية.
مش هتقدري، وائل كان بيتهته وهو باصص للكسر كأنه باصص لحياته وهي بتنهار، إحنا في نص الليل.. ملكيش حق.. لازم...
قاطعته مش لازم أعملك أي حاجة. الحاجة الوحيدة اللي كانت عليا هي غسيل الكوباية.. والكوباية راحت. يبقى المشكلة راحت هي كمان.
لفت عشان تمشي، بس عينيها وقعت على باسكت الزبالة الاستانلس اللي بيلمع تحت النور. آخر حصون نظامه. فكرة طرأت على بالها، فكرة مجنونة لدرجة إنها خليتها تبتسم. لو ماشية، لازم تسيب له حاجة ميتنسيش.. حاجة يشوفها كل ما يدخل المطبخ ده، مش يشوف لمعة المعدن، يشوف اللحظة دي.
خطت ناحية الباسكت. وائل شاف نظرتها وحس إنه نفسه انقطع.
همس برعب كأنه فهم إنجي.. لأ.. بلاش دي...
بس إيدها كانت سبقت.
وائل هجم عليها، نسي برستيجه ووقاره. وشه اتعصر، وبوقه اتفتح بصرخة مكتومة، ومد إيده يمسك معصمها. بس خلاص.. مكنش فيه أي ضعف في جسم إنجي، كان فيها بس دقة الجراح وهو بيفتح خراج. داست على دواسة الباسكت برجلها، الغطا اتفتح ب تكة ناعمة، وظهرت الشنطة السودة المنفوخة بزبالة امبارح.
صرخ وائل بصوت مسرسع إياكي! ده خطر بيولوجي! أنتِ مش عارفة بتعملي إيه!
إنجي مسمعتش. شدت الشنطة البلاستيك بكل قوتها، كانت تقيلة ومكبوسة، لأن وائل كان دايماً بيضغط الزبالة عشان يوفر في الشنط. وبحركة واحدة واسعة، كأنها بتبذر بذور في غيط، قلبت الشنطة في نص المطبخ.
صوت لغوصة مكتومة حصل، خلى جسم وائل يتنفض كأن كهرباء لمسته. محتويات الشنطة نزلت فوق كسر الكوباية، وفرشت على السيراميك المستورد. قشر بطاطس، تفل قهوة مبلول، ورق فويل عليه دهون فراخ، فتل شاي لزجة، علب زبادي فاضية.. كل ده
ريحة الخضار المحمض والقهوة اختلطت بريحة الكلور الغالية، وعملوا كوكتيل يقرف.
وائل فضل واقف مكانه.. رافع رجل واحدة زي أبو قردان، خايف ينزلها في التلوث ده. عينيه كانت هتطلع من مكانها. كان باصص لخط زيت نازل من الزبالة وماشي ناحية صباع رجله الصغير، برعب مبيحسهوش بني آدم طبيعي إلا لو في مسدس متصوب لراسه. عالمه اللي مرسوم بالمسطرة انهار في ثانية.
أنتِ.. أنتِ.. كان بيشهق وهو مش لاقي كلام. أنتِ حيوانة.. بصي عملتي إيه! دي بكتيريا! مليارات البكتيريا! دي بقت في كل حتة! في الفواصل! في الجو!
بقلم مني السيد
إنجي قالت بابتسامة شماتة وهي بترمي جردل الزبالة الفاضي فوق الكومة اتنفس بعمق يا وائل.. دي ريحة الحياة. الحياة اللي كنت بتحاول تخنقها بالكلور في الشقة دي. عجبتك؟
نظفي القرف ده! صرخ وهو بيدبدب برجله، بس اتزحلق فوراً في قشرة موزة، ولحق نفسه بالعافية وهو بيمسك في الرخامة. انزلي على ركبك ولمي كل فتفوتة بإيدك! مش هسيبك تخرجي! هتلحسي الأرض دي بلسانك، سامعة؟ هدمَّرك لو فضلت بقعة واحدة!
إنجي بصت له بقرف. اللي واقف قدامها ده لا راجل، ولا جوز، ولا رب أسرة.. ده مجرد كائن مهزوز بيترعش من بقعة زيت أكتر ما بيترعش من ضياع مراته. في اللحظة دي فهمت إنها عمرها ما حبته، هي حبت صورة الأمان اللي رسمها، والصورة طلعت فاضية من جوه.. مفيهاش غير رعب من الفوضى.
قالت بهدوء وثبات أنا مش هلمس حاجة هنا تاني. دي مملكتك يا وائل.. ده معبدك. ودلوقتي دي قواعدك.. اشبع بيها. متوفرة على روايات و اقتباسات
لفت وضهرها له عشان تخرج. وائل حاول يروح وراها، بس الطريق كان مسدود بحقل ألغام من الزبالة والشظايا اللي زي الموس. مقدرش يطاوع نفسه ويدوس حافي في القرف ده. الحاجز النفسي جواه كان أقوى من رغبته في إنه يوقف مراته.
زعق وراها وهو محبوس في مطبخه استني! رايحة فين؟ إحنا تلاتة الفجر! هترجعي! هتيجي تزحفي لما تعرفي إنك ولا حاجة من غيري! هتغرقي في الوساخة وتموتي من الفقر!
إنجي ماردتش. دخلت الأوضة اللي كان لسه نورها الأبيض بيحرق العين. حركتها كانت سريعة ومحددة. ملمتش شنطة سفر، ولا دورت على مكياج ولا بلوزات. شدت بنطلون جينز من على الشماعة ولبسته، ورمت فوقيها بلوفر، وخدت موبايلها من على الكومودينو. بطاقتها وفلوسها كانوا في شنطتها في الطرقة. ده كان كفاية.
من المطبخ كان طالع صوت لخبطة وهمهمة بائسة. وائل كان بيحاول يلم الزبالة بجاروف وهو بيشتم وبيبكي في نفس الوقت من القرف. حتى محاولش يجري وراها. النظام عنده كان أهم من مراته وهي ماشية. كان بينقذ السيراميك، مش بينقذ
جوازه.
طلعت الطرقة. الدنيا كانت هدوء وضلمة، مفيش غير خط نور جاي من المطبخ وقاطع الأرض. لبست الكوتشي من غير ما تربطه، ولبست جاكتها. إيدها كانت لسه بتترعش، بس جواها كان فيه راحة غريبة، كأن جبل انزاح من فوق صدرها.
إنجي! صوته جيه من المطبخ، مكنش صوت آمر، كان صوت مسرسع وبيعيط فين الجوانتي؟! عملتي إيه في الجوانتي البلاستيك؟! مش قادر ألمس الحاجات دي بإيدي!
وقفت عند الباب، إيدها على الأكرة الساقعة. لثانية جالها رغبة ترجع وتقول كلمة أخيرة.. تطلع كل الوجع بتاع السنتين تفتيش التراب، الخناق على الفوط الموروبة.. بس فهمت إن الكلام ملوش لازمة. هو عمره ما هيسمع غير صوت شياطينه.
همست للطرقة الفاضية دور عليه في الزبالة يا وائل.. ده مكانك.
فتحت الباب. صوت التكة كان أعلى من أي حاجة في الدنيا. طلعت على السلم، في الضلمة والهدوء، وريحة السلم العادية اللي فيها تراب وسجاير. بالنسبة لها، الريحة دي كانت أحلى من أغلى برفيوم فرنسي.
سمعت وراها صوت حاجة تانية بتتكسر.. يمكن وائل وهو بيحاول ينقذ الأرض خبط سكرية، أو يمكن خبط حياته.
إنجي رزعت باب الشقة الحديد وراها. الرزعة سمعت في العمارة كلها كأنها حكم نهائي. مأستنتش الأسانسير، نزلت السلم جري، درجتين درجتين، بعيد عن الجحيم المعقم، بعيد عن اللمض اللي ملهاش ضل، بعيد عن الراجل اللي بيحب النظام أكتر ما بيحب البشر.
قدامها كان الليل، والمجهول، وحرية.. حرية مكركبة، وناقصة،
النهاية بقلم مني السيد