هـوس النقـاء كـاملة بقلـم منـي السـيد
المحتويات
علامة تعبها بتاع امبارح.
بالنسبة للعالم، دي ولا حاجة.
بالنسبة لمطبخ وائل، دي جرح ملوث.
بصي، قالها وهو مقرب من ودنها بصوت ناعم يخوف. شعر جسمها وقف.
بصي كويس يا إنجي، شايفه إيه؟
همست وهي سنانها بتخبط في بعض كوباية.. مجرد كوباية يا وائل. أبوس إيدك، خليني أغسلها وأرجع أنام.
لأ، أنتِ مش شايفة. ضغط بإيده على قفاها، ونزل راسها لحد ما وشها بقى قريب من الحنفية الساقعة. الإهانة خلت معدتها تتقلب.. كأنه بيأدب حيوان أليف على غلطة عملها على السجاد. أنتِ شايفة جماد، أنا شايف حضانة. فات خمس ساعات يا إنجي.. خمس ساعات في درجة حرارة الغرفة. عارفة إيه اللي بيحصل للمواد العضوية في الرطوبة في الوقت ده؟
غمضت عينيها وهي حاسة بغثيان.. مش من الشاي، منه هو. من قربه، من نفسه المنتظم، من يقينه المرعب.
كمل محاضرته بكتيريا.. جراثيم عفن.. بدأوا يشتغلوا خلاص. أنتِ سبتي وسط غذائي ليهم. رُحتي نمتي واتغطيتي، وفي بيتي، في مطبخي، في نشاط بيولوجي بدأ. أنتِ فاهمة يعني إيه قلة نظافة؟ فاهمة إننا بنتنفس جراثيم بسبب كسلك؟
همست وهي بتحاول تفرد ضهرها بس إيده كانت منعاها ده شاي.. مبيعملش عفن في خمس ساعات.. أنت بتقول كلام مش منطقي...
ماتجادليش وأنتِ واقفة في القذارة! نتر فيها وصوابعه غرزت في رقبتها. القذارة مش بقعة، القذارة حالة عقلية.. استهتار. النهاردة تنسي كوباية، بكرة تنسي تشدي السيفون، وبعده نلاقي صراصير ماشية معانا. هو ده اللي عايزاه؟ عايزة تقلب الشقة دي لمزبلة زي اللي كنتِ عايشة فيها؟
دي كانت الضربة اللي عارف إنها بتوجع.
وائل عارف كويس إن إنجي تربت في شقة ضيقة ومكركبة مع أهلها، وإنها طول عمرها كانت بتتكسف من الزحمة دي. فتح الجرح ده قاصد، وبمنتهى القسوة.
أخيراً شال إيده من على
أمرها اغسليها.
إنجي مدت صوابعها المرتعشة للسفنجة.. كانت ناشفة ونظيفة تماماً. وائل كان بيغيرها كل تلات أيام عشان متبقاش بؤرة ميكروبات.
مش كدة، قال بحدة لما لقت نفسها بتمد إيدها للكوباية. إيه، كنتِ ناوية تشطفيها بس؟
عايزني أعمل إيه تاني؟ لفت وشها ليه والدموع محبوسة في عينيها. بص لها كأنه باصص في لوح زجاج.
قال بكلمات واضحة وقاطعة الحوض.. الكوباية كانت في الحوض. الشاي نقط على الاستانلس. والطرطشة وصلت للرخام. المنطقة دي كلها اتلوثت. أنتِ مش بتغسلي كوباية يا إنجي، أنتِ بتعقمي المطبخ.
فتح الضلفة اللي تحت الحوض. كل حاجة مترتبة بالملي أزايز المنظفات مرصوصة بالطول والعلامة التجارية باصة لقدام. طلع إزازة منظف قوي، وحطها قدامها برزعة.
البسي الجوانتي.. وادعكي. عايز أشوف وشي في الاستانلس ده، ومش هترجعي السرير إلا لما ده يحصل.
يا وائل أرجوك.. اتوسلت له وهي حاسة إن ركبها هتخونها من التعب. مش قادرة.. إيدي بتترعش، هكسر حاجة. أرجوك، بكرة.. هجيب شركة تنظيف، هعمل اللي أنت عايزه، بس سيبني أنام ساعتين.
لأ. ربع إيديه وسند بضهره على الرخامة. هتعمليها دلوقتي.. وبإيدك. ده درس يا حبيبتي.. الشغل بيبني الشخصية، وبيعالج النسيان. خدي السفنجة. متوفرة على روايات و اقتباسات
إنجي بصت له ومبقتش عارفة الراجل اللي حبته في يوم من الأيام. اللي واقف قدامها ده مش جوزها، ده سجان.. مكنة متبرمجة تدمر أي حاجة مش ماشية على نظامها. وشه كان هادي، بس في سواد عينيه كان فيه متعة قديمة وبشعة.. متعة السيطرة على إنسان تاني.
ببطء،
قال وائل متوفريش في المنظف.. حطي اللي يكفي عشان يقتل أي حاجة حية.
إنجي ضغطت على الإزازة، ونزلت كمية كبيرة من المنظف الكاوي على السفنجة. الرغوة بدأت تظهر.. ووائل لسه واقف ورا كتفها، بيراقب كل حركة، بيتأكد إنها مسابتش سنتي واحد. مكنش فارق معاه إنها مهدودة، مكنش فارق معاه شغلها ولا وجعها ولا مشاعرها. الحاجة الوحيدة اللي كانت تهمه هي لمعة الاستانلس.. السطح اللي هيشوف فيه انعكاس وشه المشوه والراضي عن نفسه.
مدت إيدها للكوباية.. صوابعها وهي جوه الجوانتي البلاستيك المبلول كانت متبنجة، بالعافية قدرت تقبض على الإيد السيراميك. الكوباية في إيدها كان ليها وزن غريب، كأنها صب حديد. مابقتش مجرد حتة فخار، دي بقت رمز ل العبودية بتاعتها.. دليل مادي إنها مجرد آلة في البيت ده، وظيفتها تخدم وسواسه القهري.
بحرص شوية، صوته جيه لزج عند ودنها. في حلقة جوه.. أيوة هي دي. ادعكيها بذمة، لازم تحسي إن الوسخ بيطلع.
إنجي اتصنمت.
صوت المية وهي بتخبط في قاع الحوض اتحول لزئير مرعب في ودنها. فضلت باصة للرغوة وهي بتدوب أثر الشاي، وفجأة استوعبت إنها مش قادرة تكمل.. مش جسدياً، لا.. نفسياً. في حاجة جواها، كانت مشدودة زي الوتر بقالها شهور، بدأت تتهز بعنف.. وخلاص، هتقطع.
السفنجة اتعصرت في إيدها، ونزلت فيضان من الرغوة اللي ريحتها تخنق. كانت شبه قلبها في السنتين اللي عاشتهم في الجوازة دي.. مضغوط، ساكت، مبيطلعش منه غير خضوع مكتوم. بس الخضوع خلص خلاص.
بصت للكوباية البيضاء اللي عليها رسمة القطة، والرسمة الرقيقة دي فجأة بقت أرذل حاجة شافتها في
بس اللي حصل إن إنجي، وبمنتهى البطء والقصد، رفعت الكوباية من الحوض.
المية كانت لسه بتطخ في الحوض الاستانلس، بس هي مابقتش سامعة. لفت بوشها كله لجوزها. حركتها كانت تقيلة وهادية، كأنها ماشية تحت المية.
وائل رفع حاجب واحد، وعلى شفايفه نفس الابتسامة المتعالية اللي بيديها لها لما تطبق الفوط بالمسطرة.
هز راسه برضا وقال إيه، قررتي تمسحيها من بره الأول؟ كويس.. والقاع كمان محتاج
ملحقش يكمل.
إنجي رفعت إيدها اللي ماسكة الكوباية لحد مستوى كتفها، ومع نفس خارج من قلبها، رمتها بكل قوتها للأرض. مش في الحوض، ولا على الرخامة.. رمتها تحت رجلين الجلاد بتاعها، على السيراميك اللي بيلمع زي المراية.
صوت الانفجار في المطبخ الضيق كان زي صوت قنبلة. السيراميك مكسرش بس، ده اتفتفت. الشظايا طارت في كل حتة.. خبطت في رجلين الكراسي، في الوزرة، في ضلف المطبخ اللامعة. حتة كبيرة ومشرشرة عليها وش القطة ردت من الأرض وجرحت رجل وائل، سابت خط أحمر رفيع.
سكون رهيب ومقبض ملى المطبخ، مكسرهوش غير صوت شلال المية اللي لسه شغال.
بقلم مني السيد
وائل اتسمر في مكانه. وشه اللي كان منفوخ ثقة وبرود من ثانية، بقى لونه زي الورق الأبيض. فضل باصص للكسر اللي غرق أرضه المقدسة، وعينيه وسعت برعب حقيقي. مكنش رعب من مراته، كان رعب الكاهن وهو بيشوف معبده بيتنجس.
صوته طلع مخنوق، ولأول مرة فقد بروده المعدني أنتِ.. أنتِ كسرتايها.. ده سيراميك مستورد.. أنتِ فاهمة عملتي إيه؟ قلبتي البيت زريبة!
إنجي بدأت تقلع الجوانتي ببطء.. اليمين، وبعدين الشمال.
متابعة القراءة