هـوس النقـاء كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

طلعتني من السرير الساعة تلاتة الفجر عشان تحط وشي في كوباية مش مغسولة؟ أنت اتجننت؟ أنا راجعة من شغلي الساعة عشرة بليل ونسيت أغسلها ببساطة! أنت بتعمل كدة قاصد، مش كدة؟ عايز تهلكني عشان ميبقاش فيا حيل أحاربك، وأبقى سهلة في الإيد.. كفاية رعب لحد كدة، أنا مش عايشة في معسكر جيش، ولا أنا السجينة بتاعتك!
إنتِ فاكرة إنك ممكن تنامي قبل ما تخلصي اللي وراكي؟
صوت تكة مفتاح النور قطع سكون الأوضة زي طلقة رصاص. وفي لحظة، عيون إنجي اتحرقت من فيضان النور الأبيض اللي ملوش رحمة. مكنش نور وناسة هادي حد بيولعه في طوارئ، ولا خيط نور جاي من الشارع.. ده كان النجفة الكبيرة اللي وائل غير لمضها الأسبوع اللي فات بلمض ليد قوية جداً، وكان بيتحجج إن النور الدافئ بيخلي الناس كسلانة وبيداري التراب.
إنجي غمضت عينيها بقوة، ورفعت إيديها تداري وشها، متوفرة على روايات و اقتباسات بس الضلمة اللي كانت مستخبية فيها تحت اللحاف اختفت في شدة واحدة عنيفة. اللحاف اتمزع من فوق جسمها، وساب جلدها اللي لسه دفيان من النوم للهوا الساقع. لمت نفسها غريزياً، ورفعت ركبها لصدرها، وبتحاول تفتح عينيها اللي بتدمع من النور عشان تركز.
بقلم مني السيد 
وائل كان واقف عند رجلين السرير.
مكانش شكله واحد لسه صاحي من النوم.. كان لابس بيجامة كاروهات مكوية بالمسطرة، ومقفل الزراير لحد الزور. مفيش كسرة واحدة في لبسه، ولا شعرة واحدة منكوشة. واقف زي العسكري، بيبص لمراته بنظرة قرف ممزوجة بشفقة، زي ما يكون جامع تحف بيبص لصرصار ماشي في مكان مش مكانه. متوفرة على روايات و اقتباسات
قال ببرود قومي.
صوته كان هادي، واطي، مفيهوش أي أثر للنوم.. كان شبه صوت حديد بيحك في حديد.
وهي لسه مشوشة،

إنجي بصت لساعة المكتب.. الأرقام الخضراء كانت بتنور في الضلمة 314. لعقله لثواني رفض يصدق إن ده حقيقي.
قالت بصوت مبحوح، وقلبها بيدق في زورها وائل؟ في إيه؟ في حريقة؟ حد جرى له حاجة؟
رد بجمود أوضاع أسوأ.. فوضى. أنتِ عملتي فوضى يا إنجي، ودلوقتي هتصلحيها. حالاً.
قرب منها، ولف حوالين السرير، وضله نزل على وشها لثانية رحمها فيها من زغللة النجفة. وقتها استوعبت.. مفيش طوارئ، مفيش تليفون جيه بليل، مفيش كارثة. بقلم مني السيد 
مفيش غير وائل.. وجنونه.
شريط اليوم اللي فات عدا قدام عينيها وردية شغل ممدودة لحد الساعة عشرة، رجليها اللي كانت واجعة من الوقفة، ساندوتش كلته وهي واقفة، وشاي ملحقتش تشربه قبل ما النوم يسرقها. افتكرت لما رمت نفسها على السرير بهدومها، وبعدين قامت بالعافية غيرت ونامت تاني.
مصحيني تلاتة الفجر عشان كوباية مش نظيفة؟ أنت تعبان يا وائل؟ أنا جاية من الشغل عشرة بليل ونسيت أغسل كوباية واحدة! أنت بتعمل كدة عشان تكسرني، صح؟ بتسهرني عشان أمشي زي الزومبي وأسمع كلامك؟ أنا خلاص تعبت، ده تعذيب.. أنا مش في الجيش ولا في سجن!
حاولت تشد ملاية السرير تداري نفسها من نظراته الباردة اللي بتخترقها، بس وائل قفش القماش قبل ما تشده. وشه ماتهزش، ولا عضلة واحدة اتفاعلت مع زعيقها.. كان واقف زي خرسانة مسلحة.
بدأ يسمع الكلام كأنه بيقرا من كتالوج تعليمات الهستيريا دي دليل ضعف وقلة انضباط.. أنتِ كسرتي القواعد. المطبخ منطقة معقمة. متوفرة على روايات و اقتباسات كوني أسيب مواعين وسخة ده معناه إني بسمح بالعفن.. دي ظروف غير صحية. قمت أشرب مية لقيت المنظر ده.. فاكرة إني هعرف أنام وأنا عارف إن على بعد تلاتة متر مني في تفل شاي بيتخمر في الحوض؟

صرخت فيه، ودموع القهر نزلت على خدودها كنت اغسلها أنت! أنت عندك إيدين! مش هتاخد منك عشر ثواني!
مش أنا اللي وسختها. وطى ومسك معصم إيدها بقوة كانت كفيلة تسيب علامات زرقاء.. صوابعه كانت ناشفة وساقعة. والموضوع مش موضوع عشر ثواني، الموضوع موضوع انضباط. لو نظفت وراكي، مش هتتعلمي حاجة. هتبدأي تفتكري إن ده عادي، إنك ترمي حاجتك في أي حتة وتطنش نظام البيت.. لا يا حبيبتي، قومي.
شدها ناحيته.
إنجي غرست كعوب رجليها في المرتبة، بس مكنتش قد قوته. وائل كان يبان نحيف، بس كان فيه قوة غشيمة، قوة بشعة لأنها متغلفة بالنظافة والبرود. سحلها من على السرير كأن ملهاش وزن. رجليها الحافية لمست الأرض السيراميك، والرعشة مشيت في عضمها.
وقفت بقميص نوم مكرمش، وشعر منكوش، بتترعش من الإهانة والسقعة. وقدامها راجل متقفل لحد رقبته، متسرح ومنمق، لدرجة تخليها عايزة ترجع. مكنش فيه غضب في عينيه، اللي كان فيها أوحش يقين مريض زي المحققين اللي بيعتقدوا إن التعذيب هو اللي بيخلص النفوس.
بقلم مني السيد 
حاولت بآخر أمل في العقل أنا لازم أصحى الساعة ستة ونص.. يا وائل، إحنا في فترة تقفيل الميزانية في الشغل، أنا محتاجة أنام.. أرجوك، هغسلها الصبح أول ما أصحى، أوعدك.
رد بسرعة على الصبح هتكون الميكروبات اتضاعفت بشكل مرعب.. والعقاب اللي بيتأجل بيفقد قيمته التربوية. يلا قدامي.
لف وسحبها وراه للطرقة. إنجي اتكعبلت في طرف السجادة وكانت هتقع، بس لحقها.. مش عشان يساعدها، بس عشان تفضل ماشية. مكنتش حاسة إن ده جوزها، كانت حاسة إنها مريضة بيسحلوها لأوضة الكشف.
سيبني، أنت بتوجعني!
رد ببرود وهو بيفتح باب الأوضة الوجع بيقوي الذاكرة.. عشان المرة الجاية تفكري مرتين قبل ما
تسيبي كوباية. بكرة تشكريني، النظام في البيت يعني نظام في العقل، وأنتِ عقلك فوضى يا إنجي.. فوضى كبيرة. متوفرة على روايات و اقتباسات
طلعوا الطرقة. نور تاني ضرب في وشها.. وائل بيكره الضل، مفيش ركن مطفي في شقته، مفيش مكان تستخبي فيه. كل حاجة مكشوفة.. كل حاجة تحت السيطرة. الجزم مرصوصة بالملي، الهدوم متعلقة بالطول واللون.. وإنجي، حافية ومش قادرة تفتح عينيها، بتتسحل لمكان الجريمة.
في آخر الطرقة، باب المطبخ كان مفتوح وضلمة. وائل مشي ناحيته من غير ما يهدي، وهي بتجرجر رجليها وراه عشان دراعها ميتخلعش. في اللحظة دي كرهت ضهره، كرهت شعره المترتب، كرهت ريحة المنظفات اللي طالعة منه. كانت عايزة تغرس سنانها في رقبته، بس جسمها المشلول من قلة النوم وخوفها من بروده خلوها تستسلم.
هنصلح كل حاجة دلوقتي، وائل همس وهو بيفتح باب المطبخ، هنرجع التناغم للبيت.. هتحسي إنك بتتنفسي أحسن لما مصدر التلوث ده يختفي.
دخلوا، وولع النور.
نور المطبخ كان أشد وأقوى من الأوضة. النور كان بيخبط في المطبخ الألوميتال الأبيض اللامع والأجهزة الاستانلس، فخلى المكان كأنه معمل تحاليل. مفيش ريحة أكل، مفيش دفا.. الهواء ريحته كلور وملمع زجاج. وائل كان فخور بالريحة دي، بالنسبة له دي ريحة الطهارة، وبالنسبة لإنجي دي كانت ريحة الرعب.
متوفرة على روايات و اقتباسات
وقفها قدام الحوض، وضغط على كتفها عشان تثبت في المكان اللي هو عايزه بالظبط. رجليها الحافية اتزحلقت على البلاط الساقع. لفت دراعاتها حوالين نفسها وبصت في الأرض.
في نص الحوض الاستانلس، كانت الكوباية. كوباية سيراميك عادية، بيضاء، عليها رسمة قطة تافهة إنجي كانت شارياها لنفسها من سنة. في القاع كان فيه حلقة ناشفة من
الشاي، وعلى الحرف فيه أثر روج خفيف..
تم نسخ الرابط