وجـع الغـدر كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

أنا اسمي ناردين محمود، عندي اتنين وتلاتين سنة. لحد وقت قريب، كنت فاكرة إني فاهمة الدنيا ماشية إزاي.. مش هقول إني كنت عايشة حياة مثالية، مفيش حد حياته كاملة، بس على الأقل كنت فاكرة إن فيه ثوابت مابتتغيرش البيت، الجواز، والكلمة اللي بنرتبط بيها مع اللي بنشاركهم عمرنا.
بقلم مني السيد 
دلوقتي بس عرفت إن الظنون دي ممكن تتهد في لحظة.
كل حاجة بدأت في يوم عادي جداً، كنت واقفة في مطبخ شقتي الضيق اللي ساكنة فيها مع جوزي هشام وحماتي ست هانم، في حي هادي من أحياء الجيزة. متوفرة على روايات و اقتباسات المطبخ يدوب ياخدني، بوتجاز قديم، وتربيزة خشب سندتها على الحيطة، وشباك بيبص على الشارع.. شارعنا اللي حافظة وجوه كل الجيران اللي بيمروا فيه. بقلم مني السيد
كنت بحضر العشا.. شوية فول وشكشوكة وعيش طالع من الفرن، ريحة البيت كانت دفا.
فجأة، الموبايل رن على التربيزة.
مرة..
اتنين..
تلاتة..
مش طبيعي حد يتصل ورا بعضه كدة. نشفت إيدي في المريلة ورديت وقلبي مقبوض.
أيوة؟ مين معايا؟
جاني صوت ست، نبرتها هادية ورسمية جداً
حضرتك ناردين بنة الست كريمة؟
حسيت بنغزة في صدري
أيوة.. أنا.
سكتت ثانية وبعدين كملت
أنا بكلمك من مستشفى قصر العيني. والدتك اتنقلت هنا من شوية بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية وإجهاد شديد.

محتاجين حد من أهلها يجي فوراً.
الدنيا لفت بيا. أمي كانت عايشة لوحدها في بيت قديم في أوسيم، ومن يوم ما اتجوزت وهي دايماً تقولي أنا كويسة يا ناردين، ماتشغليش بالك بيا، أنا لسه بصحتي وهعرف أخدم نفسي.
بس قلبي كان دايماً بيقولي إنها بتداري عليا عشان ماتقلش حملي.
أنا جاية حالاً.
قلتها وقفلت الخط. العشا كان لسه على النار، بس فجأة كل حاجة مابقاش لها طعم ولا قيمة.
دخلت الأوضة بسرعة أغير هدومي. هشام كان ممدد على الكنبة، ماسك الموبايل بيتفرج على فيديوهات، والتليفزيون شغال وصوته عالي في الخلفية متوفرة على روايات و اقتباسات
هشام.. أمي في المستشفى.
رفع عينه ثانية واحدة بس
تاني؟
استغربت رده، أو خليني أقول اتصدمت من بروده
بيقولوا حالتها صعبة.. لازم أكون جنبها.
عدل نفسه ببطء وكإني بقوله خبر مزعج مش خبر كارثي
طيب.. هتقعدي قد إيه؟
مش عارفة.. يمكن كام يوم.
نفخ بضيق وقال
ماشي، بس ما تتأخريش.
دي كانت كل كلماته. لا سأل مالها؟ ولا قال أجي معاكي؟.
ساعتها قولت لنفسي يمكن تعبان من الشغل، يمكن مش عارف يعبر.. دايمًا كنت بخلق له أعذار وبقول الرجالة طبعهم كدة.
لميت شنطة صغيرة فيها غيارين وجريت على المستشفى. ركبت تاكسي وأنا عيني على الشوارع والبيوت، وبدعي ربنا يسترها.
لما وصلت، لقيت أمي نايمة على سرير
أبيض، كانت باينة ضعيفة أوي.. أصغر بكتير من الصورة اللي في خيالي. متوفرة على روايات و اقتباسات وشها شاحب، وإيدها اللي كانت دايماً قوية وبتسندني، كانت مرعشة فوق الملاية.
يا حبيبتي يا أمي..
فتحت عينها بالعافية وحاولت تبتسم
يا ناردين.. ليه تعبتي نفسك وجيتي يا بنتي؟
قعدت جنبها وبوست إيدها
تعبك راحة يا أمي.
الدكتور قالي إن جسمها منهار من قلة الأكل والشغل الكتير، ومحتاجة راحة تامة ومتابعة. ما فكرتش مرتين، وقررت إني مش هسيبها.
الأيام اللي بعدها عشتها في المستشفى. الصبح مع الدكاترة والتمريض، وبالليل بنام على كرسي بلاستيك جنب سريرها. ساعات كنت بغفل وأنا ساندة راسي على الحيطة الساقعة.
هشام؟ تقريباً ماكنش بيكلمني.
رسالة كل يومين كله تمام؟
وأنا أرد بلهفة الحمد لله، أمي بتتحسن.
ماكنتش عايزة أشيله همي.. ماكنتش أعرف إن في الوقت اللي أنا كنت فيه ببات على الكراسي في المستشفى، كان بيحصل في بيتي مؤامرة عمري ما تخيلتها. بقلم مني السيد
حاجة هتغير حياتي للأبد.. وهكتشفها بالظبط بعد أسبوع.
لمدة أسبوع كامل، اختصرت الدنيا كلها في أوضة بمستشفى قصر العيني.
حيطان بيضاء، ريحة مطهرات مابتفارقش مناخيري، وصوت الأجهزة اللي بترسم نبض حياة المرضى. كل حاجة بقت روتين رتيب ومؤلم.
كل يوم كنت بصحى ورقبتي واجعاني
من النومة على الكرسي البلاستيك اللي جنب سرير أمي. متوفرة على روايات و اقتباسات ساعات كنت بفتح عيني قبلها وأفضل أتأملها وهي نايمة، وأراقب حركة صدرها وهو بيعلى وينزل ببطء.
كنت بفكر في حاجات كتير..
فكرت هي كانت شايلة لوحدها قد إيه.
في كام مرة قالت لي في التليفون أنا زي الفل يا ناردين، ماتشغليش بالك بيا يا بنتي.
وإزاي أنا كنت بصدقها عشان أريح ضميري.
في اليوم الثالث، الدكتور طمنا شوية
الحالة استقرت يا مدام ناردين، بس محتاجة راحة تامة.. وأكل يتغذى، مش بس شاي وبقسماط.
بصيت لأمي، لقت عينيها هربت مني.. عرفت ساعتها إنها كانت بتوفر في أكلها عشان تحوش القرش الأبيض لليوم الأسود، أو عشان ماتطلبش مني حاجة وتضغط عليا.
دايماً كانت كدة.. كبرياء الأم المعتزة بنفسها.
ليلتها، وأمي نايمة، فتحت الموبايل لقيت رسالة من هشام
ناوية ترجعي إمتى؟
بس كدة. لا أخبار والدتك إيه؟ ولا كلمة تجبر الخاطر.
حسيت بنغزة في قلبي، بس كذبت إحساسي وقولت معلش، أكيد البيت وحش من غيري.
رديت عليه ممكن كمان يومين أو تلاتة، الدكتور عايزني أطمن عليها أكتر.
قعد ساعات عشان يرد، وفي الآخر بعت كلمتين تمام.
الأيام عدت ببطء، كنت بنزل كافتيريا المستشفى أشرب قهوة رخيصة عشان أصحصح، وأساعد أمي تتحرك شوية، لحد ما الممرضات بقوا حافظين وشي.

كنت لما يغلبني النوم، أغمض عيني وأتخيل لحظة رجوعي البيت.
دش دافي..
تم نسخ الرابط