صفقـة زواج سريـة كـاملة بقلـم منـي السـيد
البيت كان مهيب، أقدم بكتير مما كنت متخيلة.
من بره، كان قصر حجري ضخم بعيد عن الطريق، محاوطاه شجر بلوط عالي وبوابات حديد ضخمة. ومن جوه، خشب الأرضية كان بيزيق كل ما تقرب من الحيطان، والسلالِم كانت لافّة بزوايا غريبة، وكأن اللي بنوه غيروا رأيهم في نص الطريق. صور لناس غريبة، كلهم عندهم نفس تقطيعة دقن جوزي الحادة، كانت متعلقة على الحيطان وعينيهم المرسومة بتراقبني وأنا بحاول أحفظ الطريق من أوضة النوم للمطبخ، ومن المطبخ للمكتبة، ومن المكتبة للجنينة اللي كان باين إن الشجر فيها سابوه يكبر بقصد عشان يخبي اللي وراه
بقلم مني السيد
الشغالين كانوا بيظهروا زي الأشباح وقت ما أحتاجهم وبيختفوا في لحظة الست أم سعاد، مديرة البيت، ست طويلة كلامها قليل وقاطع. والطباخة اللي عمري ما شفت وشها من غير شبكة الشعر. والجنايني اللي لابس سماعات طول الوقت حتى لو مش مشغل حاجة. محدش فيهم كان بيطول النظر في عيني، ولا حد سألني عن الفرح، ولا عن بابا، ولا حتى إذا كانت الأوضة اللي جهزوها علشاني عجباني ولا لأ.
في أول ليلة، لما أدهم سابني مع أمره الهادي إني أنام وهو هيراقب، فضلت صاحية لساعات، بفكر في الأبواب.
باب أوضة النوم.
باب أوضة المستشفى اللي بابا نايم فيها، على بعد
والباب المعنوي اللي قفلته ورايا على أي فرصة لحياة تانية كنت بتمناها.
كنت براقب خيال أدهم في ركن الأوضة، ظهره مفرود وقاعد بثبات على الكرسي. مكنش بيتململ، ولا بيمسك موبايله.. كان مجرد جسد ساكن، ونظرته مثبتة في اتجاهي. كل ما أتحرك، متوفرة على روايات و اقتباسات كان يميل راسه ميل بسيط جداً، كأنه بيتتبع حركة فريسة.
في الآخر، التعب غلبني ونمت. فاكرة إني قلت لنفسي بسخرية لو كان ناوي يأذيني، مكنش هيعلن عن نيته ويقعد قدامي بالوضوح ده.
الليلة التانية، لما جاب نفس الكرسي وحطه بحذر، جمعت شجاعتي وسألته هو في سبب يخليك مش عارف تنام؟
سكت لحظة، وصوابعه لسه سانده على ضهر الكرسي، وقال بفضل أفضل صاحي.. كدة أضمن.
سألته أضمن لمين؟.. بس هو اكتفى بإنه هز راسه وسكت.
على الليلة الرابعة، لما صحيت على نَفَسه قريب من ودني، الخوف كان خلاص مد جفونه في قلبي.
سألته برعب أنت عايز مني إيه؟
رد بنفس الكلمة تنامي.. بس كدة.
تاني يوم، واجهته في المكتب.
المكتب كان أوضة تقيلة، كلها خشب غامق وكتب متجلدة بالجلد الطبيعي، كأنها محطوطة عشان شكل كعوبها مش عشان تتقري. أدهم كان واقف جنب الشباك، وإيديه مشبكة ورا ضهره، بيبص على
سألته فجأة أنت خايف مني؟
السؤال فضل متعلق في الهوا، غريب وحاد. هو كان أطول مني بكتير، كتافه محنية شوية كأنه شايل جبل فوقهم. أنا شفته وهو بيمضي عقود بملايين من غير ما يتهز، وسمعت عنه في الأخبار إنه الراجل اللي بيبني ناطحات سحاب.. فكرة إن شخص زيه يخاف من واحدة زيي كانت فكرة مهينة للعقل.
السكوت طول، وملا الأوضة زي الدخان.
وبعدين قال بكلمة واحدة أيوه.
الرد ده فاجئني ورعبني أكتر من لو كان أنكر.
موضحش أكتر من كدة. بالعكس، بعد عن الشباك، وهز راسه ليا باحترام ومشي وسابني وسط الكتب والمكاتب المتلمعة، وأنا بسأل نفسي إيه هو نوع الخوف اللي بيخلي صاحبه يراقب الشخص التاني بدل ما يهرب منه؟
الليلة دي، قررت إني أمثّل إني نمت.. بس اللي شفته وأنا مغمضة عيني نص تغميضة خلاني أتمنى لو كنت فعلاً نمت وما صحيتش أبداً!
الليلة دي، قررت أبدأ لعبة الاستغماية مع الحقيقة.
دهنت جفوني بمرطب شفايف عشان متبانش إنها بتترعش، ونظمت نَفَسي زي ما اتعلمت من فيديوهات اليوجا.. كنت عايزة أبقى جثة هامدة بس ودنها صاحية لكل همسة.
الساعة دقت ٣ الفجر.. والكرسي زيق.
سمعت خطوات أدهم الهادية بتقرب من السرير.. الهوا حواليا
وفجأة، سمعته بيهمس بصوت مرعوب، صوت طفل ضايع مش رجل أعمال بيمتلك نص البلد
لسه يا نهال؟ لسه ملقيتيش طريقك؟ سيبي ليلى في حالها.. ليلى ملهاش ذنب في اللي عملته فيكي.
جسمي كله اتجمد.. مين نهال؟ هو لسه فاكر إن مراته الأولى ساكنة البيت؟ ولا ساكنة فيا أنا؟
قبل ما أستوعب، لقيت نفسي بقوم.. بس مش أنا اللي قمت. أنا كنت حاسة بضلوعي وهي بتتحرك، وبحيطاني وهي بتوسع، بس مكنتش مسيطرة على رجلي. قمت من السرير وعيني مفتوحة بس مش شايفة أدهم.. أنا شايفة ضلمة تانية خالص.
مريت من جنبه زي خيال المآتة.. هو رجع لورا ووقع الكرسي، وصوته كان بيتهدج وهو بيقول بدأت.. النوبة بدأت!
مشيت في الطرقة الطويلة، ورجلي حافية على الرخام الساقع.. وصلت ل السلم الكبير. نفس السلم اللي الست أم سعاد قالت لي إن نهال وقعت من عليه. وقفت على الحافة بالظبط، صباع رجلي الصغير كان لامس الفراغ..متوفرة على روايات و اقتباسات وتحتي كان الدور الأرضي زي البير الغويط.
أدهم كان ورايا، مكنش بيقرب عشان ميتسببش في إني أقع، كان بيكلمني بصوت بيقطع
ليلى.. ردي