حــين اكتــشفوا أن الفتــاة القــديمة لـم تـعد مـوجـودة
عند عشاء عائلي نظرت إلي أمي وقالت أعطيني بطاقة ائتمانك أختك تحتاج إلى 200000 دولار. رفضت. فضربت بيدها على الطاولة ورفعت صوتها إذن يمكنك مغادرة هذا البيت. جلست أختي هناك مبتسمة بموافقة فنهضت بهدوء وخرجت من الباب. بعد عشرة أعوام 35 مكالمة فائتة من أمي.
اسمي إيزابيلا. أبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاما.
أعيش الآن وحدي في شقة صغيرة نظيفة في مدينة تبعد ساعات قليلة عن الممر السكني الهادئ في نيوجيرسي حيث نشأت. يقع مبناي فوق مقهى ومحل للتنظيف الجاف في شارع تصطف على جانبيه الأشجار حيث يمشي الناس وبأيديهم كلاب غولدن ريتريفر متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات ويحملون أكياس البقالة القابلة لإعادة الاستخدام من تريدر جو. طليت جدراني بلون كريمي ناعم. ملاءاتي بيضاء ونظيفة كأنها خارجة للتو من قسم المفروشات في تارغت. كل شيء في حياتي منظم. وكل شيء هادئ.
استغرق الأمر وقتا طويلا كي أعتاد صمتا لا يملؤه التوتر.
في الليلة التي بدأ فيها كل شيء من جديد كان هاتفي يهتز على الطاولة الجانبية صوتا حادا غاضبا يشق عتمة غرفتي الهادئة. تقلبت ونظرت شبه مغمضة إلى الأرقام الحمراء على ساعة المنبه.
214 صباحا.
ظل الهاتف يهتز متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات بلا توقف. مددت يدي والتقطته. أضاءت الشاشة ساطعا حتى آذى الضوء عيني.
أمي.
لم أر ذلك الاسم على شاشتي منذ عشر سنوات.
وتحت اسمها كانت هناك إشعارة صغيرة بحروف بيضاء.
خمسة وثلاثون مكالمة فائتة.
خمسة وثلاثون.
بدأ قلبي يخفق بعنف كأنني عدت إلى أيام الثانوية أنتظر رؤية نتيجتي المدرسية. كانت يدي ترتعشان بقوة حتى كدت أسقط الهاتف. إن الذعر أمر غريب فعلى الرغم من عشر سنوات من الحرية وعقد كامل قضيته في بناء حياتي الخاصة إلا أن كلمة واحدة على شاشة مضيئة أعادتني طفلة خائفة
شعرت بأنني صغيرة.
وشعرت بالذنب.
جلست في السرير وأشعلت المصباح. كان ضوؤه أصفر ودافئا لكنني شعرت بالبرد. احتضنت نفسي بذراعي وحدقت في الشاشة.
لماذا كانت تتصل
ولماذا الآن
ولماذا
ولماذا خمس وثلاثون مرة في منتصف الليل
في العائلات العادية خمس وثلاثون مكالمة من أمك عند الثانية صباحا تعني حالة طارئةحادث سيارة جلطة نوبة قلبية شخص يحتضر.
لكنني لست من عائلة عادية.
في عائلتي ليست كل الطوارئ حقيقية.
أحيانا تكون الطوارئ سلاحا.
لم أجب. لم أستطع.
وضعت الهاتف مقلوبا على الفراش وأخذت نفسا ثم آخر أحاول تهدئة نفسي. شهيق زفير كما علمتني معالجتي النفسية في فيلادلفيا في ذلك المكتب الخانق ذي المكيف الطنان.
شرعت أنظر حول غرفتي بدل النظر إلى الهاتف.
إلى كومة الكتب المرتبة بعناية على خزانتي.
وإلى اللوحة المؤطرة للمحيط الأطلسي الرمادي الأزرق التي اشتريتها العام الماضي بمالي الخاص أثناء رحلة نهاية أسبوع إلى ساحل نيوجيرسي.
وإلى الستائر السميكة المعتمة التي ركبتها بيدي تلك التي تبقي العالم خارجا حيث ينبغي أن يكون.
هذا مكاني.
وهم غير مسموح لهم بالدخول.
عاد الهاتف المقلوب على السرير إلى الاهتزاز بغيظ. صوت أشبه بحفار يخترق رأسي.
فكرت في حظر الرقم. كان ينبغي أن أفعل ذلك قبل عشر سنوات. لكن جزءا صغيرا منيذلك الجزء الذي تدرب منذ الطفولة على الطاعة على أن أكون القويةتردد.
ماذا لو كان هناك بالفعل من يحتضر
ماذا لو كان أبي
كان أبي الوحيد الذي افتقدته حقا. نعم كان ضعيفا. لم يقف إلى جانبي يوما. لكنه لم يكن قاسيا مثل أمي أو ألينا. كان مستسلما فحسب.
توقف الاهتزاز.
للحظة وجيزة ساد صمت مبارك.
ثم ظهرت رسالة على شاشة القفل
إيزابيلا ردي. الأمر طارئ. إنه بشأن أختك.
أختي ألينا.
بالطبع كان الأمر
كان دائما يتعلق بألينا.
أعدت وضع الهاتف وإبهامي معلق فوق الشاشة من دون أن يكتب شيئا. حركت ساقي خارج السرير واتجهت إلى المطبخ بخطوات هادئة. كانت قدماي الحافيتان باردتين على أرضية الخشب.
سكبت لنفسي كوب ماء من الإبريق المصفي ووقفت عند النافذة الصغيرة أنظر إلى الشارع الخاوي في الأسفل. المصابيح البرتقالية تغمر السيارات المتوقفة بضوء باهت. وفي البعيد عوت صفارة إنذار.
قبل عشر سنوات خرجت من غرفة الطعام ولم ألتفت إلى الوراء.
غيرت رقمي.
انتقلت إلى مدينة أخرى.
حصلت على وظيفة جديدة.
ولم أخبرهم إلى أين ذهبت.
في السنة الأولى كنت مرعوبة من أن يجدوني. كلما رأيت سيارة فضية تشبه سيارة أمي تجمد قلبي. وكلما رن الهاتف من رقم مجهول ضغطت زر الرفض وراقبته يهتز على الطاولة.
لكنهم لم يطاردوني.
وذلك كان أكثر ما آلمني في البداية.
لم يحاولوا العثور علي ليعتذروا. لم يتصلوا ليتأكدوا أنني بخير. فقط تركوني أرحل.
كنت مفيدة لهم.
كنت البنك. المصلحة. فرقة التنظيف.
وحين توقفت عن كوني مفيدة توقفت عن الوجود.
استغرقني الأمر وقتا طويلا لأفهم الفرق بين أن تكون محبوبا وأن تكون نافعا.
عندما تكون محبوبا يهتم الناس بمشاعرك. يهتمون إن تأذيت. يريدونك لأن وجودك يهمهم.
وعندما تكون نافعا يهتم الناس بما تقدمه لهم. يهتمون إن كان محفظتك مفتوحة. يريدونك لأنك تسهل حياتهم.
لخمسة وعشرين عاما كنت أظن أنني محبوبة.
ظننت أنه لو أعطيت أكثر ولو عملت أكثر ولو ضحيت أكثر سيحبونني مثلما يحبون ألينا.
كنت مخطئة.
ارتشفت من الماء. كان باردا ونقيا بطعم خفيف لأنابيب المدينة. وفي غرفة النوم بدأ الهاتف يهتز من جديد.
المكالمة السادسة والثلاثون.
لم أتحرك نحوه.
بقيت عند النافذة وتركت ذهني يعود إلى الوراء إلى الصفعة فقط ولا إلى العشاء
كنت بحاجة لأن أتذكر لماذا رحلت
حتى لا أضعف وأرد.
ألينا تصغرني بعامين.
ومنذ يوم ولادتها كانت الأميرة.
كانت رقيقة. جميلة. ذات عينين زرقاوين تكفلان بإغراق الدنيا بالبكاء إن لم تحصل على ما تريد.
كنت مختلفة.
كنت قوية البنية. هادئة. بعيون بنية وشعر بني عادي يلتف من رطوبة نيوجيرسي. كنت أنجز واجباتي من دون أن يطلب مني. أنظف غرفتي. وأعود للبيت محملة بالحروف A على كشوف الدرجات.
كانت أمي تقول لي وأنا في المطبخ الضيق وهي تقلب شطيرة الجبن في مقلاة من الحديد
إيزابيلا أنت القوية. ألينا تحتاج لمن يساعدها. أما أنت فلا.
ظننت ذلك مديحا.
ظننت أنه يعني أنني مميزة.
لم أدرك أن ذلك كان فخا.
كوني القوية يعني أن علي حمل كل الأعباء.
بدأ الأمر بأشياء صغيرة لا يلاحظها أحد.
إيزابيلا دعي ألينا تأخذ آخر قطعة بسكويت. أنت لا تحتاجينها.
إيزابيلا قومي بأعمال ألينا المنزلية. لديها صداع.
إيزابيلا أعطي ألينا مصروفك. تريد تلك الدمية ونحن نعاني ضيقا هذا الأسبوع.
كنت أقول نعم في كل مرة.
كنت أريد أن أكون جيدة.
كنت أريد من أمي أن تبتسم لي كما تبتسم لها.
كنت أريد من أبي أن يربت على رأسي ويقول أحسنت يا صغيرتي.
وكبرنا وكبرت معها الطلبات. لم تعد عن البسكويت والدمى بل عن حياتي كلها.
حين بلغت السادسة عشرة عملت أول وظيفة لي في تعبئة البقالة في متجر شوبر رايت قرب الطريق 22. كنت أعمل مساء وعطلات نهاية الأسبوع. وادخرت كل قرش في دفتر توفير أزرق مهترئ أخفيه تحت جواربي.
كنت أريد شراء سيارة.
ليست سيارة فاخرة سيارة هوندا سيفيك مستعملة رأيتها على كريغزلست. حرية بأربع عجلات.
قبل أن أجمع المبلغ بأسبوعين
في