أنا اتجوزت عشان أرتاح، مش عشان أروح أتهد في الغيط والبيت كامله حكايات مني السيد
عشان تدبح وتسلخ وتنظف الكرشة والممبار وتعمل كل حاجة. ياسمين هتساعدك في الحاجات الخفيفة في المطبخ وإحنا قاعدين بنتسامر.
الحاجة غالية لوت بوزها شوية وقالت بصوت واطي ماشي يا سيدي.. بنات البندر مبيستحملوش ريحة اللحمة والدم.. أم أحمد هتقوم بالواجب، ادخلوا ارتاحوا.
ياسمين دخلت أوضتها وهي حاسة إن الجولة الأولى خلصت لصالحها بدون خسائر. الأوضة السنادي كانت منورة، والحاجة غالية كانت حاطة فيها مروحة جديدة، والسرير مفروش بفرشة نظيفة وريحتها داوني. ياسمين ابتسمت وقالت لنفسها الست لما بتثبت على موقفها، الكل بيعملها ألف حساب.
يوم النحر.. مواجهة في المطبخ الساخن
يوم العيد الصبح، الشمس طلعت والدبيحة بدأت في الحوش تحت. صوت التكبيرات كان مالي المكان، وإبراهيم لابس جلابيته البيضاء وواقف مع الجزارين. ياسمين صحيت الساعة 9 الصبح براحتها خالص، لبست ترنج كاجوال مريح، ونزلت المطبخ.
المطبخ كان عبارة عن خلاية نحل؛ أم أحمد الشغالة واخدة جنب ومعاها حتت اللحمة الكبيرة بتنظفها وتقطعها، والحاجة غالية واقفة بتوجّه وبتعمل تقلية الفتة الكبيرة. ياسمين دخلت وقالت بصوت بشوش
صباح الخير يا جماعة.. عيدكم مبارك. إيه الروائح الجميلة دي؟ أنا جاية أهو أشارك.. قوليلي يا حاجة غالية، أعمل إيه معاكم؟
الحاجة غالية بصت لها من فوق لتحت، وحبت تختبرها
أهو عندك طشت الممبار ده عايز يتغسل ويتكحت بالملح والخل والليمون لحد ما يبقا قشطة.. تقدري عليه يا ست ياسمين؟ ولا ريحتة هتقلب بطنك؟
أم أحمد الشغالة كانت هتمسك الطشت، بس ياسمين شاورتلها تقعد، وقالت للحاجة غالية بذكاء
لأ طبعاً يا حاجة، بطني مأ تقلبش ولا حاجة، أنا بنت بلد وأعرف في الأصول كويس. بس إحنا جايبين أم أحمد مخصوص للشغل المجهد ده عشان ركبتك وصحتك، وعشان أنا كمان إيديا فيها حساسية من قشر الليمون والملح الكتير. سيبك من الممبار.
الحاجة غالية ملقتش كلام تقوله؛ ياسمين ردت بأدب، وجمّلت كلامها بإنها خايفة على صحة حماتها، وفي نفس الوقت حطت حد للي عايز يقيس مدى تحملها للإهانة أو التعب. غالية هزت راسها وقالت
ماشي يا ياسمين.. ورينا رقاق البندر بتاعك ده هيطلع شكله إيه.. بس افتكري إن إبراهيم بيحب الرقاق السمين اللي غرقان سمنة بلدي وشوربة دسمة!
من عينيا يا حاجة، هعملهوله سمن بلدي من إيدك، بس بطريقة تخليه خفيف على المعدة وميعملش حموضة.
اشتغلت ياسمين في المطبخ وهي مبتسمة، بتعمل الرقاق وتظبط اللحمة المفرومة، وتعمل سلطة خضراء بالدريسنج التتبيلة اللبناني وسلطة طحينة بالثوم، ورتبت الأطباق بشكل شيك جداً على الطاولة الكبيرة في الصالة. أم أحمد خلصت الحاجات الزفرة والتقيلة كلها، وغسلت المواعين الكبيرة والقدور الضخمة تحت إشراف الحاجة غالية اللي كانت مراقبة الموقف من بعيد.
قعدة العصارى.. الاعتراف الضمني
على الساعة 4 العصر، العيلة كلها كانت اتغدت. صواني الرقاق طلعت تجنن، مقرمشة من برة وطرية ومورقة من جوة، والفتة كانت ريحتها جايبة لآخر الشارع. عمام إبراهيم وعماته كانوا موجودين، وكلهم قعدوا يشكروا في الأكل وفي الترتيب الشيك اللي ياسمين عملته.
واحدة من عمات إبراهيم قالت للحاجة غالية وهي بتشرب الشاي
والله يا غالية، مرات ابنك ياسمين دي سكرة، وبنت ناس وأدب. شوفوا الصالة مترتبة إزاي والأكل يفتح النفس الإيد الشاطرة باينة من شكل الطبق!
الحاجة غالية نفخت صدرها وقالت بكبرياء فلاحي
أومال إيه يا أم محمد؟ إحنا مبنختارش أي كلام.. ياسمين شاطرة وفيها ميزة إنها بتسمع الكلام وبتتعلم قوام قوام، وأنا برضه مأ برضاش عليها
ياسمين كانت واقفة في المطبخ بتصب الشاي وسمعت الجملة دي. ضحكت من قلبها وعرفت إن الحاجة غالية بتغير كلامها قدام الناس عشان برستيجها وعشان تظهر بمظهر الحما الحنينة العادلة. ياسمين مأ دخلتش الخناقة دي، بالعكس، خرجت وصبت الشاي لكل الموجودين وقعدت جنب حماتها بكل ود
الشاي بالنعناع اهو يا حاجة غالية.. مخصوص علشان يظبط الدماغ بعد دسم الفتة.
الحاجة غالية خدت الكوباية وبصت لياسمين بابتسامة حقيقية لأول مرة وقالتلها بصوت واطي مأ حدش سمعه غيرها
تسلم إيدك يا ياسمين.. الرقاق بتاعك كان حلو بجد، وإنتي بنت أصول وعبيطة في نفس الوقت.. كان لازم يعني تسيبيني وتمشي السنة اللي فاتت وتعملي الفضيحة دي؟ ما كان ممكن نتكلم بالراحة؟
ياسمين ردت عليها بنفس الهمس وبكل ذكاء وثقة
يا حاجة غالية، إنتي ست العارفين.. ساعات الكلام بالراحة مبيجيبش نتيجة مع الناس الشداد اللي زيك. كان لازم تفهمي إن ليا طاقة، وإن مكانتي عندك هي مكانة بنتك مش مكانة حد شغال. وأنا أهو، لما جيت بتقدير واحترام، شيلتك في عيني وعملتلك أحلى عيد.
الحاجة غالية ضحكت وقالت ماشي يا لسانك اللي عايز قصه.. بس مقبولة منك السنادي.
إبراهيم يتعلم الدرس الأخير
في السهرة، بعد ما الضيوف مشيوا، ياسمين وإبراهيم كانوا قاعدين في البلكونة اللي بتبص على الغيط والهوا الفلاحي النظيف كان بيرد الروح. إبراهيم كان باصص لمراته بنظرات كلها حب وفخر؛ السنادي عدى بدون نكد وبدون مشاكل، وأمه راضية ومراته مبسوطة.
قرب منها وحط إيده على كتفها وقالها
أنا مش عارف أشكرك إزاي يا ياسمين.. السنادي خليتي راسي مرفوعة قدام العيلة كلها، وبسطتي أمي، وفي نفس الوقت حافظتي على برستيجك وراحتك. أنا أسف يا حبيبتي لو كنت في يوم من الأيام مش شايف الصورة صح، وأسف لو
ياسمين بصت له وابتسمت ابتسامة هادية وقالت
يا إبراهيم، الجواز مشاركة واحترام. أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان خاطرك وعشان خاطر مامتك، بس في إطار المعقول وبدون قهر. الست لما بتتحول لماكينة شغل بدون تقدير، حبها بيموت وبيتها بيتهد. السنادي إحنا دفعنا قرشين لأم أحمد الشغالة، بس كسبنا راحة بالنا، وكسبنا رضا مامتك، وكسبنا إننا بنقضي عيد جميل مع بعض. هو ده الصح اللي كان المفروض يحصل من الأول.
عندك حق يا ياسمين.. ومن السنادي، إنتي الملكة والكل في خدمتك، وأي مكان هنروحه، راحتك فيه هتبقى هي نمرة واحد.
النتيجة والنهاية السعيدة
مرت السنين، وبقت زيارة البلد في العيد أو في الإجازات طقس لطيف ومحبب لقلب ياسمين، مش كابوس بتعد له الأيام. الحاجة غالية اتعودت إن ياسمين لما بتيجي بتجيب معاها البهجة والشياكة والأكلات الجديدة، وبقت هي بنفسها تتصل بأم أحمد الشغالة قبل ما ياسمين توصل وتقولها تعالي يا أم أحمد عشان ستك ياسمين جاية، ومشاي عايزين البيت فيه ترابة واحدة تزعلها.
والجيران في البلد بقوا يضربوا المثل ب ياسمين وبذكائها وإزاي قدرت تكسب حماتها الشديدة بدون ما تخسر كرامتها وصحتها. أما إبراهيم، فبقى الزوج المثالي اللي بيعرف يوازن بين بره لأمه وحبه لمراته، وبقى يفهم إن ست البيت المرفّهة والمبسوطة في بيتها هي اللي بتقدر تطلع جيل سوي وتعمل بيت كله دفا وأمان.
وفي كل صيف، لما ياسمين تقعد على شاطئ البحر في الغردقة أو الساحل، وتشرب عصيرها الفريش وتتفرج على المية الزرقاء، كانت بتبتسم وتفتكر الشنطة اللي لمتها في خمس دقائق في وسط الليل بالبلد، وتتأكد إن كلمة لأ اللي قالتها في الوش بالوقت المناسب، كانت هي الحجر الأساس اللي بنت بيه حياة زوجية مستقرة ومحترمة، مبنية على التقدير المتبادل والكرامة التي لا
النهاية بقلم مني السيد