ثـمن اللقمة كـاملة حكـايات منـي الـسـيد
المحتويات
أن يجد صوته وسط هذه المعمعة. نظر إليّ بنظرة عتاب مكسورة، ثم نظر إلى أمه وقال بصوت مرتعش
يا أمي.. أنا كنت مضغوط في الشغل.. ومقصدتش المعنى اللي هي فهمته.. عبير كبرت الموضوع وعملت من الحبة قبة عشان تذلني..
أذلّك؟ قاطعتُه بنبرة حاسمة ولكن دون صراخ. أنا ذليتك يا كريم؟ لما كنت بدفع قسط العربية ال SUV بتاعتك من حسابي الخاص عشان برستيجك قدام زمايلك في الشركة ميتأثرش، كنت بذلّك؟ لما كنت بشتري لبس العيال الصغار ولاد منى في أعياد ميلادهم وأقولهم خالو كريم اللي جايبها، كنت بذلّك؟ لما كنت بتدير عزومة كل سبت وتتكلف آلاف الجنيهات من لحوم وطيور وحلويات شرقية وغربية من فيزتي أنا، وتصقف وتفرح وتعيش دور كبير العيلة المُنفق قدام أهلك، كنت بذلّك؟ أنا منعتش عنك الأكل، أنا بس طلبت تمنه، والراجل اللي بيشيل كلمة أنا المنفق لازم يشيل تمن اللقمة اللي بتدخل جوفه وجوف ضيوفه. متوفرة على روايات و اقتباسات
ساد صمت رهيب في المطبخ. منى أخته سحبت أولادها برفق وتراجعت نحو الصالة، مدركة أن المعركة تجاوزت حدود المحشي والبشاميل لتصل إلى جدران بيتها الأساسية. إيهاب، جوز أختها، وضع سبحته في جيبه، واقترب من كريم وطبطب على كتفه بنبرة فيها شفقة حقيقية
معلش يا كيمو.. حصل خير. يا جماعة يلا بينا، الظاهر إننا جينا في وقت مش مناسب. المحلات في التجمع كتير، ننزل ناكل بره وخلاص.
ناكل بره إيه يا إيهاب؟ زعقت الحاجة صفية، وعيناها مليئة بالدموع من كتر الكسوف والإحراج. ابن عبد الحي يطرد أمه وأخواته بمكرونة عريانة؟ أنا مش هقعد في البيت ده دقيقة واحدة تانية!
تحركت الحاجة صفية نحو الباب بخطوات
لكن الباب رُزع بقوة، ليعلن نهاية العزومة المقدسة، ونهاية البرستيج الزائف الذي عاش كريم خلفه لسنوات.
المواجهة الكبرى ليلة سقوط الأقنعة
عدت إلى الصالة، جلست على الكرسي المفرد، وأمسكت بكتابي مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن. بعد دقائق، دخل كريم. كان مظهره يثير الشفقة؛ جرافتته مفسوخة، شعره منكوش، وعيناه تلمعان بغضب أعمى وكسرة غير مسبوقة. وقف أمامي، يرتعش كالمحموم، وصرخ بأعلى صوته
ارتحتي؟ اتبسطتي دلوقتي لما صغرتيني قدام أمي وأختي؟ فضحتيني وخليتي جوز أختي يتفرج عليا ويشمت فيا؟ أنتِ إيه يا شيخة؟ مفيش في قلبك رحمة؟ كل ده عشان كلمة قولتها في وقت عصبية؟
حكايات مني السيد
وضعت الكتاب جانباً، ونهضت ببطء حتى أصبحت في مواجهته مباشرة. نظرت في عينيه بثبات جعل جسده يتراجع خطوة للخلف
لا يا كريم، مش عشان كلمة قولتها في وقت عصبية. أنت مكنتش متعصب امبارح ولا أول امبارح. أنت كنت بتتكلم بمنتهى الهدوء والثقة لأنك كنت فاكر إنك بتلعب اللعبة القديمة اللي أمك علمهالك تكسر مقاديف الست، تحسسها إنها عبء وعايشة عالة على حسك، عشان تفضل دايماً مطاطية راسها ومستنية رضاك. أنت جيت قولتلي أنا مش هصرف على عيشتك الدلع وأنت عارف كويس جداً إن عيشتي الدلع دي من شقايا وتطويري لنفسي. أنت كنت عاوز تاخد اللقطة؛ تبقى الراجل اللي كلمته بتمشي وفي نفس الوقت جيبك مقفول وبتصرف فلوسك على نزواتك وسهراتك وجزمك ال Brands.
أنا
اسم عيلتك محفور على يفط تبرعات قديمة يا كريم، لكن بيتك ده قايم على كتافي أنا، رديت بصوت هادئ ومخيف.
جدول مقارنة الحسابات الأرقام لا تكذب
امتدت الحرب الباردة لأسابيع. كريم حاول في البداية استخدام سلاح القمص والخصام، فكان ينام في الغرفة الثانية، ولا يتحدث معي، ويأكل وجبات سريعة يشتريها بالفيزا الخاصة به والتي بدأت ديونها تتراكم.
لكن الأرقام لا تكذب، وفي نهاية الشهر، عندما صدرت الفواتير وحان وقت الحساب الحقيقي، جلست على طاولة السفرة، ووضعت أمامه لابتوب الشغل، وفتحت ملف Excel كنت قد أعددته بدقة متناهية.
اتفضل يقعد يا باشمهندس، عشان نشوف الانفصال المالي الحقيقي هيوصلنا لفين، قولت له وأنا أشير للكرسي المقابل.
جلس كالمجبر، وعيناه تدوران في الملف. كان الجدول كالتالي
بند المصاريف التكلفة الشهرية بالجنيه المصري حصة كريم الفردية ٥٠٪ الوضع الحالي والدفع
قسط تمويل الفيلا ٤٥٠٠٠ ٢٢٥٠٠ تدفعه عبير بالكامل منذ سنتين
مصاريف صيانة الكومباوند والأمن ٦٠٠٠ ٣٠٠٠ تدفعه عبير
فواتير الكهرباء، الغاز، والإنترنت سرعة فائقة للشغل ٨٥٠٠ ٤٢٥٠ تدفعه عبير
قسط سيارة كريم BMW ٣٢٠٠٠ ١٦٠٠٠ تدفعه عبير كشريك ضامن
خزين البيت، اللحوم، والطلبات الشهرية ٢٥٠٠٠ ١٢٥٠٠ تدفعه عبير
عزومة العائلة الأسبوعية متوسط ٤ عزومات ٢٠٠٠٠ ١٠٠٠٠ تدفعه عبير بالكامل
إجمالي التزامات كريم غير المدفوعة ١٣٦٥٠٠ جنيه ٦٨٢٥٠ جنيه مطلوب سدادها فوراً لعبير
نظر كريم
إيه الأرقام دي؟ قال بصوت متحشرج. أنا مبدفعش كل ده؟ أمال مرتباتي بتروح فين؟
مرتباتك بتروح على قعدات الكافيهات الشيك مع أصحابك، رحلات الجونة والساحل السريعة اللي بتطلعها مع زمايلك في الشركة عشان تفك ضغط الشغل، والبراندات اللي بتشتريها عشان تحافظ على مظهر المهندس الناجح ابن العيلة. أنت عايش في بيتي، بتاكل من خيري، بتسوق عربية مدفوعة بضماني، وفي الآخر جاي تتهمني إني عايشة على حسابك؟
وضع كريم رأسه بين يديه. كانت هذه هي اللحظة التي انقشع فيها الضباب تماماً عن عينيه. لقد أدرك أنه طوال سبع سنوات جواز، لم يكن المزود أو البروفايدر كما توهم، بل كان مجرد ضيف شرف في حياة ست بتمشي دول وشركات.
نقطة التحول درس في الأصول الشبراوية
مرت الأيام، وتغيرت نبرة كريم تماماً. اختفت النبرة الآمرة، واختفى التكبر. أصبح يتحرك في البيت بهدوء، يغسل طبقه بعد الأكل، ويحاول فتح كلام معي بأي طريقة، لكنني كنت قد وضعت حواجز من الجليد بيننا. لم أعد أطبخ له، ولم أعد أشتري له شيئاً، وكل قطعة في التلاجة ظلت تحمل اللزقة البيضاء تذكيراً له بكلمته.
في منتصف الشهر الثاني، تلقيت اتصالاً هاتفياً من الحاجة صفية. كان صوتها مختلفاً تماماً؛ غابت نبرة الاستعلاء وحلت محلها نبرة الأم المكسورة والمحروجة.
أيوة يا عبير يا بنتي.. عامة إيه؟
أهلاً يا حاجة صفية، الحمد لله في نعمة، خير؟ رديت برسمية شديدة.
تنهدت الحاجة صفية وقالت
يا بنتي.. أنا بكلمك كأُم.
متابعة القراءة