ثـمن اللقمة كـاملة حكـايات منـي الـسـيد

لمحة نيوز

رخيص. مكنش عارف يتصرف، ولا عارف يطبخ، والوقت كان بيسرقه.
الساعة بقت اتنين الظهر. جرس الباب رن.
دخلت الحاجة صفية، لابسة عبايتها السودا الشيك والدهب بيلعلع في إيديها، ووراها منى أخته وعيالها التلاتة اللي داخلين يجروا ويزيطوا في الصالة، وهاني أخوه الصغير اللي رما مفاتيحه على الترابيزة وقعد على الكنبة وفتح التلفزيون علطول.
أمال فين ريحة المحشي يا كريم؟ دي كانت أول كلمة قالتها الحاجة صفية وهي بتقلع الطرحة وبتبص ناحية المطبخ باستغراب. أنا قايلالك من يوم الخميس نفسي في ورق عنب من إيد عبير.
كريم كان واقف وراهم، وشه عرقان، وبيحاول يبتسم بلزوجة أهلاً يا أمي، منورة.. معلش أصل.. أصل عبير تعبانة شوية النهاردة ومقدرتش تقف في المطبخ.
في اللحظة دي، نزلت أنا من على السلم. كنت لابس فستان كاجوال شيك جداً، وحاطة ميك أب خفيف، ورايقة ع الآخر.
سلامتك يا حبيبتي، قالتها منى أخته بنبرة فيها لقم ومستنية تشمت. تعبانة من إيه كفي الله الشر؟ ده أنتِ صحتك زي البمب أهو وطالعة زي القمر.
الله يسلمك يا منى يا حبيبتي، أنا زي الفل ومفيش فيا الهوا، قعدت على الكرسي المفرد وحطيت رجل على رجل. كريم بس فهمكم غلط. أنا مش تعبانة، أنا بس ملتزمة بالاتفاق الجديد اللي بيني وبين ابنكم.
الحاجة صفية حواجبها اترفت اتفاق إيه يا ضنايا؟ هو الجواز فيه اتفاقات برضه؟
بصيت لكريم اللي كان واقف ورا أمه وشه بقى شبه ورقة الشجر الدبلانة، وعينيه بتتوسل ليا عشان مسودش وشه. بس أنا مكنتش شايفة غير نظرته ليا وهو ماسك السكينة وبيقولي أنا مش هصرف على عيشتك الدلع دي تاني.
آه طبعاً يا حاجة صفية، قولت بنبرة مسموعة ومريحة. كريم قرر من يوم الأحد اللي فات إننا نفصل فلوسنا
تماماً. قالي إنه مش مستعد يصرف على عيتشي ودلعي تاني. وبما إن البيت ده والشغل ده كله قايم على نظام كل واحد يشيل شيلته، فالعزومة دي بالكامل على حساب كريم الخاص. أكلكم، شربكم، ضيافتكم.. كله من جيبه هو، وأنا ماليش أي علاقة باللي هيتقدم النهاردة.
الصالة فجأة بقت زي المقبرة. مفيش صوت غير صوت التلفزيون اللي شغال على ماتش قديم. الحاجة صفية لفت وشها وبصت لكريم بنظرة حادة زي الموس الكلام ده صحيح يا كريم؟ أنت قولت لمراتها كده؟ وفصلت فلوسك عنها؟
كريم بقا بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع مكتوم يا أمي.. الموضوع مش كده.. إحنا بس كنا بنتفق على تنظيم المصاريف..
تنظيم مصاريف إيه والناس جعانة والعيال جايين من مشوار؟ منى أخته اتكلمت بعصبية وهي حاسة إن مفيش محشي ولا بشاميل. أمال إحنا هناكل إيه النهاردة يا كريم؟
كريم اتحرك بسرعة ناحية المطبخ وهو بيقول الأكل جاهز جوه.. ثواني وهحطه على السفرة.
دخل المطبخ، وأنا قمت وراهم براحة، والعيلة كلها قامت ورايا بدافع الفضول والجوع. وقفنا كلنا على باب المطبخ الألوميتال الكبير، وبصينا على السفرة الصغيرة اللي جوه.
كريم كان حاطط صنيتين. فيهم إيه بقى؟
مكرونة مسلوقة، حمرا بالصلصة الجاهزة، من غير لحمة مفرومة، من غير بشاميل، ومن غير ريحة سمنة بلدي حتى. وجنبها طبقين فيهم جبنة بيضا تلاجة، ورغيفين عيش بلدي ناشفين من بتوع الطابونة اللي جابهم من بره. متوفرة على روايات و اقتباسات...
المشهد كان يصعب على الكافر. مهندس الديكور الكبير، ابن عيلة عبد الحي اللي اسمها مالي مصر الجديدة، واقف بيقدم لأمه وأخته وجوز أخته في يوم السبت المقدس مكرونة بالصلصة وجبنة بيضا.
الحاجة صفية بصت للسفرة، وبصت لكريم، ووشها
اترعش من كتر الغضب والكسوف بقى ده الأكل اللي بتقدمه لأمك وأخواتك يا كريم؟ مكرونة عريانة وجبنة قريش؟ أنت بتعشّينا أكل مساجين في بيتك؟
يا أمي والله العظيم السوق كان غالي ومحقتش... كريم كان صوته بيرتعش، والدموع كانت خلاص في عينه من كتر الإحراج قدام جوز أخته اللي كان واقف حاطط إيده في جيبه وكاتم الضحكة بالعافية.
في اللحظة دي، فتحت أنا التلاجة الكبيرة قدامهم كلهم. التلاجة كانت بتبرق باللون الأبيض، والرص رص ملوكي، بس كل حاجة عليها اللزقة البيضا الشهيرة.
طلعت علبة الفراخ المتبلة الجاهزة على الشوي، وعلبة محشي ورق عنب كنت لسه شرياها جاهزة من مكان نظيف ومسوراها لنفسي، وحطيتهم على الرخامة. حكايات مني السيد.
بصيت للحاجة صفية وقولتلها بتهذيب ينورني تشريفي ليكم يا حاجة، بس للأسف، الفراخ دي واقفة عليا ب ٣٥٠ جنيه، وصابع ورق العنب ده متكلف. لو كريم يحب يشتري مني الحاجات دي دلوقتي كاش عشان يطبخهالكم، أنا معنديش مانع خالص. التجارة شطارة، ولا إيه يا كيمو؟
كريم بصلي بنظرة مليانة انكسار وخزي، نظرية عمري ما هنسى شكلها. كان واقف في وسط مطبخه، قدام أمه وعيلته، ومش ملاحق على كمية الشتيمة والنظرات اللي بتنهش في كرامته. وفي اللحظة دي بالذات، عرفت إن عيشتي الدلع مكنتش بفلوسه، بس كرامته هي اللي طارت بسببه.
الفصل الثالث والأخير
أصعب ما في انكسار الرجال ليس اللحظة التي يسقطون فيها، بل تلك الثواني التي تلي السقوط مباشرة؛ حين تلتفت الأعين نحوهم منتظرة رد فعل، فلا يجدون في جعبتهم سوى الصمت والذهول.
كان كريم واقفاً في المطبخ، محاصراً بين نظرات أمه النارية التي تكاد تثقب بدلتة الأنيقة، ونظرات أخته منى المليئة بالصدمة الممزوجة بالجوع،
وبين جوز أخته إيهاب الذي كان يستند إلى إطار الباب، يداعب سبحته في يده ويحاول جاهداً كتمان ضحكة ساخرة لو خرجت لكانت بمثابة رصاصة الرحمة على ما تبقى من برستيج ابن عائلة عبد الحي.
تجارة إيه وشطارة إيه يا بنت شبرا؟
انفجرت الحاجة صفية أخيراً، ونبرة صوتها هزت درف المطبخ الألوميتال. التفتت إليّ بكامل جسدها، والذهب في غوايشها يرن بغضب. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات 
أنتِ بتبيعي وتشتري في بيتك؟ وبتساومينا على لقمة؟ بقى دي الأصول اللي تربيتي عليها؟ كريم يا عبير، لو كان قال كلمة في وقت غضب، ميبقاش ردها إنك تفضحي جوزك قدام أهله وتسيئي لسمعتنا بالشكل ده! إحنا عيلة عبد الحي، لما ندخل بيت ابننا نلاقي مكرونة مسلوقة وجبنة تلاجة؟
 
لم يهتز فيّ رمش واحد. كنت متوقعة هذا الهجوم، بل ومستعدة له تماماً. نظرت إلى الحاجة صفية بكل هدوء، وابتسامة خفيفة وودودة ترتسم على وجهي، قائلة
يا حاجة صفية، العفو، أنا أبعد ما أكون عن الفضايح. أنا ست متعلمة وبدير شركة فيها آلاف الموظفين، وعارفة يعني إيه التزام بالعقود والاتفاقات. ابنك كريم هو اللي جه لحد عندي يوم الأحد اللي فات، وبمنتهى الوعي والثقة، قالي أنا مش هصرف على عيشتك الدلع دي تاني، وفلوسنا من النهاردة منفصلة تماماً. وبما إنه مهندس كبير ومدرك لكل كلمة بيقولها، أنا احترمت رغبته وقررت أطبق الاتفاق بحذافيره. الأكل اللي في التلاجة ده ماليش فضل فيه، ده شقايا وتعبي وفلوسي. فلو كريم عاوز يتفضل ويدبح لكم عجل، أنا مش همنعه، بس بفلوسه هو، مش بفلوسي أنا.
التفتت الحاجة صفية نحو كريم كالأسد الجريح الكلام ده بجد يا كريم؟ أنت قولت لها الكلام الفارغ ده؟
كريم، الذي كان وجهه قد
تحول إلى اللون الأحمر الداكن، حاول
تم نسخ الرابط