ثـمن اللقمة كـاملة حكـايات منـي الـسـيد
المحتويات
ينزل الشركة ملك عبير ٤٥٠ جنيه.
لفيت على التلاجة كلها، رف رف، درج درج. مسبتش تفصيلة. الفراخ البانيه، طبق البيض الأورجانيك، علبة الزبدة النيوزيلاندي، حتى قزايز المية المعدنية اللي بنملا منها كبسولات المكنة. كل حاجة بقا عليها تيكيت أبيض ناصع، مكتوب عليه بخط واضح وصريح بتاعت مين، وبكام.
الساعة جت تمانية وربع، وسمعت خطوات كريم البطيئة وهي نازلة من على السلم الخشب. كان لابس بدلة كحلي شيك جداً، ومظبط الجرافتة، وريحة برفانه غرقانة في الممر. دخل المطبخ وهو بيعدل ساعة إيده، وبصلي بنظرة فيها شوية حذر، كأنه بيجرب النبض بعد كلام الليلة اللي فاتت.
صباح الخير، قالها وهو بيتحرك ناحية مكنة القهوة كالعادة.
صباح النور يا باشمهندس، رديت بنبرة هادية وفياضة بالنشاط، وأنا براجع إيميلات الشغل على التابلت بتاعي.
مد إيده يفتح التلاجة عشان يجيب اللبن، وأول ما الباب اتفتح، كريم ثبت في مكانه. ظهره اتشنج، وفضل واقف باصص لجوا التلاجة تمن ثواني كاملين من غير ما يتحرك. المشهد كان كوميدي؛ التلاجة من جوه بقت شبه مخزن بضاعة في جمرك بورسعيد، كل حاجة متسعرة وعليها لافتة.
مسك علبة اللبن بصباعين، كأنه ماسك حاجة غريبة، ولف وشها ناحيتي عشان أشوف اللزقة إيه ده يا عبير؟ ده هزار؟
هزار؟ لأ خالص، رفعت عيني من التابلت وابتسمت له بصفاء. مش أنت قولت امبارح إنك مش عاوز تصرف على عيشتي ودلعي، وإننا هنفصل الفلوس تماماً؟ أنا بس بنفذ طلبك عشان نبقى على نور. الحاجات دي كلها أنا اللي شرياها بفلوسي ومن كارت الفيزا بتاعي. بما إننا انفصلنا، فمصحش تستخدم حاجتي من غير ما تدفع تمنها، ولا إيه؟
كريم وشه احمر، والعرق بدأ يبان عند منبت شعره
لأ يا كيمو، الأصول مفيهاش حتة الكبيرة وحتة الصغيرة، قفلت التابلت ووقفت، ساندة إيدي على الرخامة. أنت قولت انفصال كامل. والكامل معناه إن كل مليم يدخل أو يخرج يتحسب. لو عاوز تشرب قهوة باللبن الصبح، اتفضل اشرب، بس علبة اللبن دي واقفة عليا ب ٤٥ جنيه، تمن البق اللي هتاخده يعني حوالي ٥ جنيه. وبما إن البن ده بتاعي برضه، فالكوباية دي هتقف عليك ب ٣٥ جنيه. تحب تحاسب كاش ولا تحولهم كليك باي؟
كريم رزع علبة اللبن على الرخامة، الصوت عمل صدى في المطبخ الواسع أنا مش دافع زفت! وأنا نازل أشرب قهوتي في المكتب. بس خليكي فاكرة إن الحركة دي هتقلب عليكي، واليومين دول هيعدوا، وهتيجي تطلبي مني فلوس لحاجة تانية وساعتها هفكرك.
في انتظارك يا حبيبي، طريق السلامة، قولت الكلمة وأنا بتابع خطوته السريعة وهو خارج من باب الفيلا وبيرزع الباب وراه لدرجة إن الشيش اتهز.
الخمس أيام اللي بعد كده كانوا عبارة عن حرب باردة، حرب صامتة مفيهاش كلام، بس فيها كمية لزق ورق مابتخلصش. كريم افتكر إنه لما يطنش ويقفل بوقه هبكي وأروح أبوس إيده عشان يرجع يصالحني. بس أنا كنت أخدت القرار.
كل يوم كنت برجع من الشركة، ألاقي كريم حاول يعتمد على نفسه. راح السوبر ماركت اللي جنبنا وجاب أكياس أكل جاهز، علبتين تونة، وكيس عيش فينوا. حط حاجته في رف واحد صغير في التلاجة، وملمسش أي حاجة عليها لزقة تانية. كان بياكل بالليل وهو قاعد قدام التلفزيون في الصالون، باصص للموبايل، ونبرة العناد واضحة في كل قطمة بياكلها.
أنا من ناحيتي، كنت بمارس حياتي الطبيعية
عزومة يوم السبت دي عند عيلة عبد الحي كانت زي صلاة الجمعة؛ طقس مقدس مبيتغيرش. حماتي، الحاجة صفية، بتكلم كريم يوم الخميس بالليل تمليه لستة الطلبات اللي نفسها تتاكل، وتيجي يوم السبت الساعة اتنين الظهر ومعاها أخته منى وجوزها وعيالها، وأخوه الصغير هاني. العيلة كلها بتيجي تقعد في التكييف، يتفرجوا على الماتشات، وياكلوا من خيرات ربنا اللي أنا بتعب فيها من الفجر، وفي الآخر يمشوا وهم بيقولوا لكريم تسلم إيدك يا أبو كمال، دايماً بيتك مفتوح وعامر. وأبو كمال واقف بيمس كرشه ومبتسم، كأنه هو اللي دبح وسلخ وطبخ.
يوم الجمعة بالليل، كريم جه وقف في الصالة وأنا كنت بقرأ كتاب. تنحنح وقال بنبرة آمرة بس فيها حتة رجاء مستخبي عبير، بكره عيلتي جاية كالعادة. أمي كلمتني وقالتلي إنها حابة تأكل محشي ورق عنب وفراخ محمرة في الفرن، ومنى عيالها بيحبوا البشاميل. اعملي حسابك تشتري الحاجات الصبح بدري.
حطيت الفاصل في الكتاب وقفلته براحة، وبصيت له أشتري؟ بفلوس مين؟
هو إيه اللي بفلوس مين؟! ما إحنا طول عمرنا بنعمل كده! صوته بدأ يعلى.
طول عمرنا ده كان زمان، قبل يوم الأحد اللي فات، قولتله بابتسامة باردة. أنت نسيت اتفاقنا ولا إيه يا كيمو؟ إحنا منفصلين مالياً. العزومة دي عزومة عيلتك أنت، يعني ضيوفك أنت. وأنا مش مسؤولة أصرف مليم واحد على أكل أهلك، ولا مسؤولة أقف في المطبخ سبع ساعات عشان أأكل ناس ابنهم شايف إنه بيصرف
كريم تنّح، وشه جاب ألوان أنتِ بتقولي إيه؟ دي أمي! وأختي! عاوزاني أقولهم إيه لما يجوا؟ أقولهم مراتي قفلت التلاجة في وشنا؟
تقولهم اللي أنت عاوزه. تحب تنزل بكره الصبح تشتري اللحمة والفراخ والخضار من فلوسك الخاصة؟ اتفضل. تحب تطبخ لهم أنت؟ المطبخ قدامك. بس أي حاجة من خزين البيت بتاعي، مش هتتمد الإيد عليها إلا بتمنها. كشف الحساب واضح.
كريم قعد على الكرسي، مذهول، مش قادر يستوعب إن عبير الهادية اللي كانت بتستحمل نقد أمه وتجريح أخته، واقفة النهاردة وحاطة سيف الشروط على رقبته. فضل يبصلي بغل، وبعدين قام وخرّج محفظته، طلع منها رزمة فلوس آهو.. آدي ألفين جنيه تمن الأكل والشرب. انزلي بكره هاتي الطلبات واطبخي.
بصيت للفلوس وضحكت من قلبي ألفين جنيه؟ أنت عايش في سنة كام يا باشمهندس؟ الألفين جنيه دول ميكفوش تمن الفراخ والزبدة النيوزيلاندي والجبنة الموتزاريلا بتاعت البشاميل في زمنا ده! ده غير إني مش بشتغل عندك دليفري ولا شيف بالطلب. الفلوس دي تخليها في جيبك، وانزل أنت بكره اتصرف مع عيلتك.
ساب الفلوس على التربيزة ودخل الأوضة ورزع الباب. كان فاكر إني هصعب عليا نفسي أو هخاف من زعل أمه وهنزل أتصرف من وراه. مكنش يعرف إن اللعبة دي أنا اللي هحط خاتمتها.
يوم السبت الصبح، صحيت الساعة عشرة. منزلتش المطبخ أعمل محشي ولا أعصج لحمة. عملت لنفسي فنجان قهوة وشربته في البلكونة في الشمس. كريم نزل الساعة حداشر، وشكله كان مبهدل، عينه حمرا ومنامش طول الليل. نزل ورجع بعد ساعة شايل كيسين سود من سوبر ماركت صغير في أول الشارع. دخل المطبخ ورزع الأكياس، ومطلعش منها غير كيسين مكرونة قلم، وعلبتين صلصة جاهزة،
متابعة القراءة