ثـمن اللقمة كـاملة حكـايات منـي الـسـيد
أنا مش هدفع مليم في عيشتك الدلع دي تاني
الليلة اللي جوزي قالي فيها إنه زهق من إنه يصرف على منطقتي ودلعي، كنت واقفة ماسكة سكينة المطبخ فوق كومة بقدونس مفروم، ومحتارة هل فخدة الضاني محتاجة رشة روزماري كمان ولا حماتي هتلاقي فيها عيب وتشتكي في كل الأحوال.
كريم عبد الحي كان واقف الناحية التانية من رخامة المطبخ الآيلاند في شقتنا اللي في التجمع الخامس. ساند بضهره على الدولاب، ومشمّر كمام قميصه زي الممثلين اللي بيطلعوا في إعلانات الكومباوندات عن الزوج الناجح والمستقر. ملامحه كانت هادية، لدرجة تحس إنه ممرن نفسه على الكلام قدام المراية، ودي أول حاجة خلت بطني تقلب.. مش الكلام نفسه، لأ، الترتيب والبرود اللي ورا الكلام.
قال لي وهو بكل ثقة
من أول المرتب ده، كل واحد فينا فلوسه لوحده. تماماً. أنا خلاص مش هصرف على عيشتك ودلعك يا عبير.
في ثانية، صوت تلاجة المطبخ بقى عالي ومسموع أكتر من صوته. المطر كان بيخبط برا على الشيش والخشب براحة، وحلة الصلصة على البوتجاز كانت مخلية ريحة البيت كله توم وزبدة وريحان. فاكرة تفاصيل تافهة جداً من اللحظة دي زرار القميص الدهبي اللي نسي يفكه، نقطة الصلصة الصغيرة اللي جت على كم قميصه، ولمعة دبلته وهو مربع إيديه. كان شكله فخور بنفسه أوي.. وده الجزء اللي مكنتش قادرة أسامحه عليه بعدين، حتى لما سامحت في حاجات تانية. هو مش بس كان غلطان، هو كان فرحان بغلطه ومبسوط.
مارمتش السكينة، وما عيطتش، ولا فكرته إن فخدة الضاني اللي على الرخامة دي تمنها أكتر من الجزمة ال Brand اللي جابها لنفسه الأسبوع اللي فات بفيزا البيت. كل اللي عملته إني كملت فرم البقدونس لغاية ما بقى ناعم
تمام، ده عين العقل.
كريم بربش بعينه وتنّح عين العقل؟
آه طبعاً.. الفلوس المنفصلة دي حاجة مودرن، نضيفة، وفير جداً. هنبدأ من بكره الصبح.
بوقه اتحرك كذا مرة قبل ما يطلع منه صوت. هو كان متوقع خناقة، زعيق، ولم تلم.. أنا عارفة ده لأن أمه هي اللي مربياه ومفهماه إن الستات لما تزنقهم بيعيطوا، ويصوتوا، ويتهموا، وفي الآخر يستسلموا. هو كان داخل المطبخ ومستعد يثبت قدام دراميت الستات، لكن لقى موافقة هادية جداً ونازلة عليه زي المية الباردة. ولأول مرة الليلة دي، ثقته في نفسه اتهزت.
عبير، بلاش طريقة التريقة دي.
مش بتريق والله.
أنا بتكلم جد على فكرة.
وأنا كمان بتكلم جد جداً. شيلت طبق البقدونس المفروم ورحت بيه ناحية البوتجاز. انفصال تام. كل واحد يدفع تمن اللي بيستخدمه. كل واحد يشيل التزاماته. لا لخبطة ولا فرض حسن نية.
بص لي كأني فجأة اتكلمت صيني بس مش ده اللي كنت أق...
ده بالظبط اللي أنت قلته. وطيت النار تحت المحشي والصلصة عشان متتحرقش. وأنا شايفاك صح. الوضوح مطلوب برضه بقالنا كتير.
فك حواجبه وضغط على سنانه وسكت. دي كانت عادة كريم لما الكلام يخرج بره السيناريو اللي هو كاتبه في دماغه. يسكت تماماً، يستنى اللي قدامه يحس بالذنب أو التوتر، وبعدين ياخد تراجع الشخص ده على إنه انتصار ليه. الحركة دي كانت بتأكل عيش مع أخوه الصغير، وبتنفع مع أمه لأن أمه هي اللي مخترعاها أصلاً.. وكانت بتنفع معايا زمان، لما كنت لسه فاكرة إن الطبطبة واستحمال القرف هما دول الحب.
كريم عبد الحي كان من العائلات اللي اسمها رنان في مصر الجديدة، من الأسامي اللي تحس إنها غنية أكتر
بس أنا مكنتش قليلة ولا قليلة الحيلة.. أنا كنت رئيسة قطاع العمليات واللوجستيات COO في شركة تكنولوجيا نقل وشحن دولي، بننقل قطع غيار وعربيات وأجهزة طبية في مصر والشرق الأوسط. بدأت من الصفر وأنا عندي 23 سنة ك Dispatcher متابعة خطوط، وعملت الماجستير MBA بالليل وأنا بطحن في الشغل، ودخلت شريكة بأسهم في الشركة قبل ما نتوسع في 5 دول. أنا كنت بكسر رقم في المرتب أعلى من كريم.. بكتير كمان.
مكنتش بتباهى بده ولا بطلّعه في الكلام، لأني اتربيت في بيت بسيط في شبرا، أبويا كان دايماً بيقول إن كرامة البني آدم في إنه يشيل شيلته ومسؤوليته من غير شوشرة. كريم كان عارف دخلي كام بالظبط، شاف الإقرارات الضريبية، وحسابات البنك، وأرباح الأسهم السنوية. بس كان بيتعامل مع المعلومة دي زي ما بيتعامل مع جهاز إنذار الحريق لما حجارته تخلص ويزمر حاجة رخمة، بيكبر دماغه منها، ومبيفكرش فيها إلا لو الصوت بقا عالي ومستحيل يتطنش.
الغريب إني زمان كنت بحب جداً أطبخ لعيلته. في أول سنتين جواز،
متوفرة على روايات و اقتباسات
الفصل الثاني قائمة الأسعار وكشف الحساب
... كنت بعمل صواني وأكل يكفي مائدة رحمن مش عزومة عائلية، لدرجة إن السفرة كانت بتشتكي من كتر الصحاف والبيركس. كنت فاكرة إن اللمة دي هي البيت اللي اتحرمت منه، لحد الليلة دي بالذات. ليلتها فهمت إن الأكل الكتير اللي كنت بعمله بحب، كانوا هما بيبلعوه بنبرة استعلاء، وكأنهم بيتفضلوا عليا بوجودهم.
صحيت تاني يوم الصبح الساعة سبعة، قبل ما منبه كريم يرن. نزلت المطبخ والبيت هس هس، الهوا لسه ساقع وفيه ريحة مطر من قفلة الشتا. وقفت قدام التلاجة الكبيرة ال Double Door اللي أنا دفعاها كاش من مكافأة الأرباح السنوية بتاعتي، وبصيت لجواها. التلاجة كانت مليانة خير أطباق الفاكهة المغسولة، علب الجبنة المستوردة، عصاير، ولحوم فريش جايباها من جزار مخصوص في المعادي.
فتحت درج المكتب وجبت البكرة اللي كنت شرياها من العتبة عشان شغل قديم بكرة ورق لزق أبيض عريض، وقلم فلوماستر أسود خطه تخين مبيتمسحش.
مسكت علبة اللبن المراعي، ولزقت عليها ورقة وكتبت ملك عبير تمن الشراء ٤٥ جنيه.
مسكت علبة الجبنة الفيلادلفيا ملك عبير ١٩٠ جنيه.
حتى كيس البن الاسبريسو اللي بيحب يشربه