أمانة الغريب قصة كريمة وياسين كامله بقلم مني السيد

لمحة نيوز

دافي ومريح. لما خلصوا متوفرة على روايات و اقتباسات ، صب قهوة وحط كوباية قدامها.
قال لها إنتي شاطرة في كل حاجة.
ردت أبويا علمني الخبيز، والبُنا، والرفا.. كان بيقول الواحد لازم يعرف يسند سقف بيته. لمست حرف الكوباية المكسور وكملت بس جوزي علمني حاجة تانية خالص.
ياسين ماضغطش عليها، اكتفى بكلمة أنا أسف.
بقلم مني السيد 
ردت وأنا كمان.. وهي مش عارفة هي أسفة على أنهي حتة في حياتها بالظبط.
الأيام مشيت بنظام فيه راحة. هنا بقت ترد وتشد حيلها، وكريمة بدأت من غير ما تحس ترمم العزبة. صلحت عشة الفراخ بخشب من المخزن، نضفت الجنينة، عدلت البوابة الميلة.. واكتشفت إن إيدها اللي ستات الكفر كانوا بيعيبوا عليها إنها خشنة وكبيرة، هي بالظبط اللي بتعرف ترجع الحاجة المكسورة تشتغل تاني.
لما ياسين شافها الصبح واقفة وسط القش ومعاها شاكوش وبتقفل عشة الفراخ، ضحك من قلبه. مش عليها، ضحك بفرحة. اتعلمتي ده فين؟
قالت وهي بتدق آخر مسمار في نفس المكان اللي اتعلمت فيه الخبيز.. عند أبويا. بقلم مني السيد 
بص للفراخ الهادية، والفرشة النضيفة، والعشة المتينة. ماكنش فيه داعي تعملي كدة.
بصت في عينه عارفة.
طب ليه؟
لأن مفيش حد في حياتها شكرها على شطارتها من غير ما يحاول يمتلكها. لأن الشغل اللي بيجي معاه احترام طعمه غير الشغل اللي بيجي من الخوف. لأن كل لوح خشب بتصلحه في بيته، كان بيفرد ضهرها هي من جوه.
قالت ببطء لأول مرة بحس إن ليا لازمة، مش مجرد حد الناس بتاخد منه اللي هي عايزاه وترميه.
ملامحه اتغيرت.. مش شفقة، لكن فهم.
وقال لها أنا شايفك يا كريمة.. شايفك بجد.
الليلة دي قعدوا في المندرة بعد ما هنا نامت. ليل العزبة كان واسع وكله نجوم. ياسين سند كوعه على ركبه وقال أنا فعلاً كصرت مناخير الشيخ رفعت.
لفت راسها وبصت له.
قال ل هناء الله يرحمها بعد ما سقطت تاني مرة، إن يمكن ربنا مش كاتب لبعض الستات يشيلوا عيال.. قالها على المنبر
قدام الناس من غير ما يقول اسمها. كمل بصوت فيه خزي قديم لقيته قدام الجامع وماحستش بنفسي غير وأنا بكسر له مناخيره.
كريمة فهمت فوراً إزاي كفر النخل حول الحكاية دي لحكم مؤبد عليه. بلادنا بتسامح القسوة لو جات من أصحاب المقامات، ومابتسامحش الغلبان لو رد الضربة. بقلم مني السيد 
كمل ياسين لما هناء جالها الطلق بعدها بأسابيع، بعت أجيب نجدة. ولا ست في الكفر رضيت تعتب بيتي. الداية عزيزة حاولت، بس على ما وصلتلها كانت هناء صفت دمها.. البنت نزلت حية، وأمها راحت. ضغط على سنانه بوجع ساعات بقول إن عصبيتي هي اللي موتها.
كريمة خدت نفس مرعوش أنا جوزي كان بيشرب.. ويضرب الخيل اللي في الآخر رفسته موتته. وكان بيضربني أنا كمان لما مزاجه يقلب. الاعتراف ده كان زي حجر تقيل وانزاح. لما ابني نزل والحبل السري ملفوف حوالين رقبته، فضلت أقول لنفسي يمكن الضرب ده عمل حاجة جوه.. حاجة مفيش حد يقدر يثبتها.
ياسين لف وبص لها بوجع يقطع القلب إنتي ماموتيش ابنك يا كريمة.
وعرفت منين؟
عشان أنقذتي بنتي.
مابقتش عارفة ترد. دموعها نزلت سخنة، . حط إيده على إيدها، إيد كبيرة وشايلة جروح بس حنينة. وفضلوا كدة لحد ما برد الليل دخلهم جوه. بقلم مني السيد 
بعد أسبوع، وهي بترتب الهدوم في درج كانت بتستخدمه هناء، لقت ورقة مطبقة جوه كتاب وصفات. كانت هترجعها مكانها، بس اسمها لفت نظرها في أول سطر
ست كريمة ادتني رغيف زيادة النهاردة، وعملت نفسها بتقول إنه بايت عشان ماتحسسنيش إني مديونة لها.. الناس بيقولوا عليها ضخمة وساكتة، بس مابيعرفوش إنها هي الوحيدة اللي بتحس بكل الناس.
 
كريمة وقفت والورقة بتترعش في إيدها.
بالليل ورتها لياسين. قراها مرة، والتانية، وملامحه لانت بشكل هي ماشافتهوش قبل كدة.
هناء كانت بتشتري منك عيش؟
ردت كريمة وهي بتحاول تداري غصة زورها الظاهر إني كنت ببلطج عليها عشان تاخد عيش زيادة.
ياسين ابتسم، ابتسم بوجع بس بامتنان كمان
دي هناء.. كانت بتشوف الناس اللي الكل بيعتبرهم مجرد خيال.
حط الورقة بالراحة على التربيزة كانت هتحبك قوي.
الكلمة دي كانت بركة نزلت على قلب كريمة.
عدى شهر، هنا بقت خدودها زي التفاح وصوتها يملى البيت، والجنينة طرحت خضرة، والعزبة بقى ليها نفس.. نفس مكان مؤمن إن فيه بكرة. وفي الوقت ده، كفر النخل جه لحد عندهم.
الست أم السعد جت في حنطور ومعاها مرات الشيخ رفعت وست تانية، ووشهم عليه نظرة التقوى اللي بتبرر قلة الأدب. ياسين كان عند الترعة بيصلح السور، وكريمة كانت في الجنينة وإيدها فيها طينة وهنا نايمة جوه. الحنطور وقف.
أعلنت أم السعد إحنا جايين ناخدك.
ردت كريمة أنا مش تايهة.
إنتي عايشة في الحرام.
أنا بشتغل.
مرات الشيخ ردت بحدّ الكفر مش هيسكت على الوضع ده.. المناظر لها احترامها.
قبل ما كريمة ترد، سمعوا صوت حواف خيل بتهبد الأرض. اتنين من الأنفار اللي ياسين طردهم عشان غلطوا في كريمة، جايين على خيلهم سكرانين ووشهم وحش.
واحد منهم نزل وقال برزالة يا أهلاً.. الأرملة الضخمة عندها ضيوف.
الستات رجعوا لورا ناحية الحنطور بخوف لما لقوا الفضيحة 
قالت كريمة وهي واقفة بين الراجل والبيت امشي من هنا.
ضحك وقال صاحب العزبة طردنا عشان سواد عيونك.. قلنا نيجي ناخد حقنا منك.
لما مسك دراعها، الدنيا ضاقت في وش كريمة.. ريحة الخمرة وصدمة الوجع القديم لما حد بيمد إيده عليها بغشم. حاولت تفك نفسها وصرخت.
فجأة.. طلقة رصاص شقت الهوا!
الراجل ساب إيدها واتنطر لورا من الخوف. بقلم مني السيد 
ياسين كان واقف عند البوابة، شايل بندقية في إيده ووشه فيه موت. قال بصوت واطي ومرعب لو لمستها تاني.. الطلقة الجاية مش هتكون في الهوا.
محدش نطق. حتى الخيل خافت.
اطلعوا برة أرضي.
الرجالة جريوا على خيلهم، وأم السعد والستات نطوا في الحنطور وهما هيتجننوا من الرعب.
ياسين قطع الحوش في خطوات، مسك وش كريمة بإيديه، بيتأكد إنها سليمة كأن عينه مش كفاية.
إنتي كويسة؟
أيوة.
طلع منه نفس تقيل، وضمها لصدره بكل قوته لدرجة إنها حست برعشة جسمه. لما سمعت صرختك، خفت أكون هفقد حد تاني غالي عليا.
كريمة غمضت عينيها.
لما بعد شوية، مابعدش عنها بجد. أنا مش قادر أمثل أكتر من كدة إنك هنا عشان هنا وبس.
قلبها دق جامد.
أنا بحبك.. بحب الطريقة اللي بتدخلي بيها الأوض المهدودة وتخليها بيت.. بحب إن هنا بتهدا أول ما تسمع صوتك.. متوفرة على روايات و اقتباسات بحب إنك أول حد شاف حزني ومارمش.. بحب إنك حاربتي عشان بنتي قبل ما تعرفيني أصلاً. لمس الحتة اللي الراجل مسكها فيها في إيدها وقال تتجوزيني يا كريمة؟
الكلمة كانت كبيرة، ومستحيلة، بس كانت صح.
وشوشت إنت مش محتاج تنقذني.
بص في عينها طب بلاش أنقذك.. اختاريني.
دموعها نزلت موافقة.
تاني يوم، كفر النخل كان مقلوب. الناس واقفة عند الساحة لما ياسين نزل من العربية وشايل هنا، ونزل كريمة جنبه. الوشوشة بدأت، بس ياسين وقف في وسط الساحة وقال بصوت هز الحيطان
يا أهل الكفر.. كريمة مابقتش أرملة لوحدها.. كريمة بقت ست بيت الرفاعي، وأم بنتي.
بص لأم السعد وللشيخ رفعت
وقال اللي عنده كلمة حق يقولها، واللي قلبه فيه صنف غل يخليه لنفسه، عشان مابقاش فيه مكان هنا للناس اللي بتبني سمعتها على وجع غيرها.
السوق سكت.. سكت خالص.
ياسين خد كريمة ومشيوا، ومن يومها مابقاش فيه حد في الكفر يجرؤ يهمس بكلمة.
في العزبة، ياسين ركب يافطة خشب فوق الباب، كريمة بصت لها وابتسمت.
مكتوب عليها بيت الرفاعي.. هنا يسكن الحنين.
قعد جنبها، كتف بكتف. صوت ضحك البنت طالع من جوه مع عزيزة الداية اللي رجعت تشتغل في العزبة.
قالت كريمة بهدوء كانوا بيقولوا علينا إحنا الناس الغلط.
ياسين شبك صوابعه في صوابعها طلعنا إحنا الناس اللي الكفر ده كان محتاجهم عشان يتعلم يعني إيه رحمة.
سندت راسها على كتفه. ولأول مرة من وقت طويل، المستقبل مابقاش حاجة بنحاول نعيشها بالعافية.. بقى حاجة بنبنيها
بإيدينا.
وهي دلوقتي، عرفت إزاي تبني بجد.
تمت.. بقلم الكاتبة مني السيد 

تم نسخ الرابط