أمانة الغريب قصة كريمة وياسين كامله بقلم مني السيد

لمحة نيوز

مابصتش للناس ولا بصة. ولما مشت، مشى ياسين وراها، شايل بنته وكأن العالم كله بيحاول يسرقها منه.
وصلوا لبيت أم السعد، وبنات المطبخ واقفين على العتبة بيبصوا من طرف عينهم، والست أم السعد نفسها كانت واقفة في الصالة، ضامة إيدها على صدرها وشفايفها مزمومة بوعيد، وعينها بتقول يا فضيحة جلاجل. كريمة ولا كأنها شايفاهم، مابصتش لحد.
طلعت ياسين السلم الضيق المورور، عدوا من جنب الحيطة اللي ورقها دايب، لحد أوضة السطوح اللي في آخر الممر. أوضة سقفها واطي لدرجة إن راجل بطول ياسين لازم يوطي راسه وهو داخل.
وهو فعلاً وطى راسه.
وقف في نص الأوضة كأنه تايه، كأن طاقة السفر والوجع خلصت بمجرد ما لقى حد يمشيه وراه. حطت كريمة شنطتها على الكرسي وقالت له بلهجة مفيهاش نقاش اقعد.
قعد من غير ما يسأل.
مدت إيدها، وناولها البنت بخشوع راجل بيسلم حد دقة قلبه. كانت أخف مما كريمة اتخيلت.. أخف بكتير. عينيها يادوب مواربة، ونفسها طالع بالعافية. كريمة قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، وبدأت تفك زراير فستانها بصوابع كانت نسيت إن الحركة دي ممكن تكون لغير الوجع، ورفعت البنت وضمتها لصدرها.
في الأول.. مفيش.
البنت بؤها بيتحرك بضعف، خدها لمس الجلد، حاولت وفشلت. كريمة بلعت ريقها بصعوبة من غصة وقفت في زورها. لبنها كان بدأ ينشف، وجسمها بدأ يسلم للأمر الواقع. لثانية واحدة مرعبة خافت تكون الناس عندها حق، وإن الحزن سمّم حتى اللبن اللي في عروقها.
وشوشت للبنت وهي بتمسح على راسها يلا يا ضنايا.. عشان خاطر النبي.
البنت اتحركت تاني.
وفجأة.. رضعت.
ياسين طلع منه صوت بين الشهقة والدعاء. نزل على ركبه جنب الكرسي وكأن رجليه مابقتش شايلاه. يا
رب.. يا رب.. شربت.. والله شربت!
دموعه نزلت على وشه ومادراهاش. وكريمة هي كمان مادارتش دموعها. بقالها أربع أسابيع وجسمها بيفكرها باللي راح منها بقسوة، لكن دلوقتي، في هدوء أوضة السطوح، جسمها بقى حاجة تانية.. بقى جسر للنجاة. بقى سبب إن فيه روح هتعيش، حتى لو فيه روح تانية سبقتها. بقلم مني السيد 
الأوضة فضلت ساكتة مفيش فيها غير صوت الرضاعة ونفس ياسين اللي مش مظبوط.
بعد شوية كريمة سألت بصوت واطي اسمها إيه؟
رد بكسرة هنا.. أمها سمتها كدة قبل ما الحمى تنهش فيها.. قالت لي لو البنت اتولدت بوجع، على الأقل تشيل اسم فيه فرح للدنيا.
كان رد حنين لدرجة إن كريمة بصت في الأرض. لون هنا بدأ يتغير، من البهتان للون وردي خفيف.. كأن الشمس بتشرق في مكان ضلمة للأبد.
لما هنا شبعت ونامت، ياسين مد إيده يخدها وهو بيترعش إنتي أنقذتيها.
ردت كريمة هتحتاج ترضع تاني كمان كام ساعة.
سأل بلهفة ينفع أجيبها تاني؟
كريمة ترددت. تحت في المطبخ صوت ضحك عالي طالع للسلم زي الدخان. أم السعد مش هعدي الموضوع، والناس في الكفر هيهروا في سيرتها لحد ما يخلوا سيرتها خرابة. بس بصت لخدود هنا اللي مابقتش رمادي.. وقالت أيوة.. هاتها.
ياسين قام ببطء وهو ضامم بنته. وعند الباب وقف وقال أنا ياسين الرفاعي.
ردت وأنا كريمة.
قال بامتنان متشكر يا ست كريمة.
قالت له كريمة بس.. كلمة ست دي بقت تقيلة على قلبي.
هز راسه ومشي. ورجع قبل الغروب. ورجع تاني يوم الصبح. هنا كانت بتشد حيلها ساعة ورا ساعة، وكريمة مع كل رضعة كانت بتحس إنها مابقتش قبر ماشي على رجليه، وبدأت تحس إنها ست لسه الدنيا محتاجة لها.. متوفرة على روايات و اقتباسات 
في تالت زيارة،
ياسين قعد على الأرض وسند ظهره للحيطة وهي بترضع البنت، وطى راسه كأنه أخيراً سمح لنفسه يرتاح قدام حد مش هيخذله.
قال لها فجأة عايز أطلب منك طلب.
كريمة رفعت عينها له.
تعالي العزبة. بص في عينها دغري وكمل كام أسبوع بس.. لحد ما هنا تشد حيلها وتقدر تاكل. هديكي أجرة.. أجرة بجد. وهيكون ليكي أوضتك لوحدك. أنا مش قادر أفضل رايح جاي مرتين في اليوم، والعزبة.. سكت شوية وكمل بنهجة العزبة بتنهار من حولي.. مابقتش أنام ساعة على بعضها من يوم ما هناء راحت.
إيد كريمة وقفت على ظهر البنت. الناس هتتكلم.
وشه جمد وقال هما بيتكلموا من قبل ما ندفن المرحومة.. الكفر ساب مراتي تموت عشان قرروا إن عصبيتي هي كل تاريخي. أنا مابقاش يهمني كلامهم في شلن.
كان المفروض ترفض. الست المحترمة في كفر النخل لازم ترفض فوراً وبغضب كمان. لكن الستات المحترمات في البلد دي مطلوب منهم يموتوا من الجوع في سكات، ويحزنوا من غير ما يضايقوا حد، ويختفوا لو وجعهم وجع عين الناس.
بصت لأوضة السطوح.. ل جبر الخاطر المر بتاع أم السعد.. لضحك البنات تحت.. وبعدين بصت ل هنا اللي بقت أملى وأهدى.
قالت له هاجي.
ياسين غمض عينه لثانية وكأن الكلمة دي كانت رحمة نزلت عليه. ألف شكر.
تاني يوم الصبح، أم السعد وقفت لها عند الباب. عليكي حساب الأوضة والأكل.. 42 جنيه.
كريمة اتصدمت إحنا ما اتفقناش على 42 جنيه واصل!
أم السعد رفعت كتفها ببرود جبر الخاطر غالي يا حبيبتي.
قبل ما كريمة ترد، ياسين دخل من الباب والبت في حضنه. طلع رزمة فلوس، عدها مرتين، وحط 50 جنيه على الترابة. ده حسابها وزيادة.
عين أم السعد برقت لما شافت الفلوس.
ياسين زود بكلمة سمّ والباقي ده عشان ملمحش
وشك في سكتها تاني.
كريمة كان نفسها تضحك، بس اكتفت بإنها مسكت شنتطها، وفردت ضهرها، ومشت قدام الكل لحد العربية اللي مستنية برة.
بقلم مني السيد 
الطريق للعزبة خد ساعة ونص، العربية بتنهج على المدقات الترابية وسط الغيطان اللي لونها بقى دهب مع شمس الربيع. كفر النخل صغر وراهم، وكريمة ضامة هنا لصدرها وياسين سايق في صمت. فجأة، وكأن السكوت مابقاش يخوف، قال ياسين البيت يضرب يقلب.. مبهدل.
ردت كريمة بكلمة واحدة ده أثر الحزن يا ياسين.
بص لها باستغراب وهز راسه أيوة.. فعلاً.
عزبة الرفاعي كانت مبنية ببيوت طوب وحجر وسط شجر الصفصاف، بيت كبير وهيبة، بس الحزن كان رامي ضله على كل حتة فيه وكأنه تراب. الغسيل منسي على الحبال، الشيش مخلوع وبيهبد مع الهوا، وجنينة البيت بقت غابة، والفراخ ماشية تسرح في كل مكان. مفيش حاجة باظت بجد، بس كل حاجة كانت باينة إنها اتساب نصها من قلة الحيلة.
ياسين فرجها على أوضة صغيرة جنب المطبخ، كان بينام فيها الخولي زمان. سرير ضيق، متوفرة على روايات و اقتباسات وطشت غسيل، ولحاف محتاج رفا.. بس الأهم إن كان ليها قفل من جوه.
قالت له متشكرة.. وقصدت الكلمة من كل قلبها.
أول ليلة، بعد ما هنا رضعت ونامت في سريرها الخشب جنب الكانون، كريمة مالقيتش نفسها قادرة تقعد ساكتة. غسلت مواعين يومين، ومسحت الهباب من على الرف، وكنست أرض المطبخ، وكانت غرقانة في فرز الغسيل لما ياسين رجع من الزريبة ووقف عند الباب.
أنا ماجبتكيش هنا عشان تعملي كل ده.
ردت وهي بتطبق قميص من قمصانه أنا لو إيدي مابقتش مشغولة، عقلي هيتعبني.
سند ضهره على الباب شوية، وبعدين قرب من الحوض، مسك فوطة وبدأ ينشف المواعين اللي
غسلتها. وقفوا جنب بعض من غير كلام، بس السكوت كان
تم نسخ الرابط