أمانة الغريب قصة كريمة وياسين كامله بقلم مني السيد

لمحة نيوز

على ما وصل ياسين بطفله لحد طبلية العيش اللي واقفة وراها كريمة، كان الواد الصغير في حضنه خلاص حيله اتهد، وصوته مابقاش طالع منه غير أنين خافت يقطع القلب.
سوق كفر النخل في يوم السبت كان خليط من ريحة العيش السخن وريحة السّم اللي في لسان الناس؛ يبيعوا ويشتروا وهمّ عينهم بتكسر في خاطر الأرملة، وكأن الغل بقى صنف من ضمن بضاعة السوق.
كريمة كانت واقفة ورا طبلية خشب، رصّة عليها عيش قمح وعيش سن، وشوية قرص طرية خابزاها من الفجرية في مطبخ الست أم السعد صاحبة اللوكاندة، اللي كانت بتعمل نفسها مش وايفة الدقيق اللي كريمة بتسحبه. الزباين كانوا بيروحوا وييجوا زي القطر، يرموا القرشين في الصندوق الخشب، وياخدوا العيش من غير ما عينهم تيجي في عينها. الأغلب مابيقولش شكراً، والباقي بيبصوا فوق كتفها الشمال، وكأن البص في وش ست أرملة، جسمها مهدود وحزنها ساكن ملامحها، ممكن يقطع الرزق أو يجيب الفقر لبيوتهم.
من ست أسابيع بس، كانت كريمة بتدفن جوزها في المدافن اللي على أول البلد. ومن أربع أسابيع، ولدت ابنها نور اللي نزل للدنيا أزرق وساكت.. نزل جثة. ومن وقتها، وجسمها لسه بيحنّ باللبن لطفل عمره ما هيشربه، وأهل الكفر قرروا إن حالتها دي يا إما تقطع القلب أو فضيحة، على حسب مين اللي بيتكلم. كريمة اتعلمت في الأسابيع دي إن الست ممكن تبقى شفافة ومنبوذة في نفس الوقت.. وحدة غريبة إنك تبقى واقف في وسط سوق زحمة، وتحس إن كل وش بيمحيك من الوجود. متوفرة على روايات و اقتباسات 
وفجأة، شق سكون السوق صوت صرخة طفل، رفيعة ومجروحة زي قماشة بتتدبل.
الروس لفت. راجل داخل بيتعثر ما بين فرشة الفاكهة وعربية الجزار؛ كتافه

عريضة، هدومه غرقانة تراب السفر، وشة باهت وشعره منكوش، وعينه مطفية ومحفرة من قلة النوم، وكأن السهر أكل نني عينه وساب مكانه سواد مالوش آخر. كان شايل لفة صغيرة في شال أصفر دبلان، وحتى من على بعد خطوات، كريمة قدرت تشوف السكون المرعب اللي في أطراف العيل.
بقلم مني السيد 
قال بصوت مشروخ وهو بينهج أبوس إيديكم.. حد يلحقني.. البنت مابتاكلش.. بقى لها تلات أيام، ويمكن أكتر.. مش عارف.. مش عارف أخليها تبلع لقمة!
الناس وسعت له، بس ولا واحد فيهم خطى خطوة واحدة ناحيته. ست واقفة عند بياعة الصابون شدت بنتها الصغيرة ورا جيبتها، والجزار مسح إيده في مريلته وبص للسما وكأن الجو فجأة بقى شاغل باله. متوفرة على روايات و اقتباسات ..سألت ست تانية ببرود وهي بتعدّل طرحتها وأمها فين يا جدع أنت؟
ياسين سنانه اتخبطت في بعض من الوجع وقال راحت وهي بتفتح لها باب الدنيا.. أمها فارقت من تلات أسابيع، وسبقتنا على دار الحق وسابت لي الأمانة دي.
همهمة خفيفة مشيت في السوق، وكأن الخبر زوّد صنف الغل اللي في الجو. كريمة شافت ساعتها البقعة اللي على صدر قميصه؛ ماكنتش دم، كانت لبن قديم وبواقي مهلبية وشوربة.. كل محاولات راجل غلبان حاول ينقذ ضناه بس مالقاش ست تحنّ عليه. شفايف البنت كانت بتترعش، ولونها قلب للرمادي اللي كريمة عارفاه كويس.. فجأة السوق اختفى من قدام عينيها، متوفرة على روايات و اقتباسات ورجعت تاني لسريرها الضيق، وهي شايفة الداية بتلف طفل ساكت قبل ما حتى تلحق تحفظ شكل ودانه.
عند عربية الخضار، اتنين ستات وشوشوا بعض بصوت مسموع
مش ده ياسين الرفاعي؟
صاحب العزبة اللي في آخر الجبل؟
عند عربية الخضار، كان فيه
ستين واقفين بيوشوشوا بعض بصوت مسموع
مش ده ياسين الرفاعي؟
صاحب العزبة اللي ورا الجبل؟
هو بعينه.. اللي كسر مناخير الشيخ رفعت قدام الجامع.
ده أنا سمعت إنه فضل يشتم ويدعي وهو واقف فوق راس مراته وهي بتموت!
يا مري.. ده أنا سمعت ألعن من كدة كمان.
الوشوشة بدأت تسرح في السوق زي النار في الهشيم، سريعة ونهامة، وصعب توقفها لو اختارت سكة. ست تالتة حشرت نفسها وقالت مفيش داية ولا حكيمة في الكفر ده كله هترضي تعتّب بيته.
وزودت رابعة بخبث الرجالة اللي مابيعرفوش يلجموا عصبيتهم، لازم يشيلوا شيلتهم لوحدهم. وحد تاني رد من بعيد مراته ماتت عشان ربنا مابيباركش في القسوة.
ياسين كان سامع كل كلمة. كريمة حست بيه من كتافه اللي اتشدت لفوق وبقت زي الحجر، ومن إيده اللي ضغطت على الشال الأصفر لحد ما عروق إيده برزت وابيضّت. متوفرة على روايات و اقتباسات لثانية واحدة، كريمة افتكرت إنه هيتهور ويحدف نفسه على أقرب صوت طالع، ويقلب السوق لساحة معركة زي ما الناس متوقعة منه. لكنه بدل كدة، بص للبنت اللي في حضنه، وكل الغل اللي جواه انطفى وحل محله حزن عريان.. وجع خلى كريمة تدير وشها الناحية التانية من كتر الكسرة اللي في عينه.
قال تاني، بس المرة دي بصوت هادي وميت أبوس إيديكم.. البنت بتضيع.
الست عزيزة، اللي كانت بتبيع أعشاب وتركيبات قديمة على فرشة قريبة، رفعت راسها وبصت لكريمة. عزيزة دي كانت داية الكفر زمان، قبل ما الناس تقرر إن السمعة أهم من الشطارة.
قالت عزيزة بصوت جهوري الأرملة اللي هناك دي.. كريمة. لسه فاقدة ضناها من قريب، وممكن يكون لسه فيها لبن.
كل الروس في السوق لفت وبصت لكريمة. بقلم مني السيد 
تلات
بنات من اللي شغالين عند أم السعد كانوا واقفين عند فرشة المربى. واحدة منهم ضحكت ضحكة صفرا وقالت بقرف هي؟ بتطلبوا منها هي؟
والتانية كملت بتريقة دي ماعرفتش تنقذ ابنها من الموت، هتنقذ بنت الغريب؟
والتالتة، والغل واكل قلبها، قالت عشان تشد الناس أكتر يمكن نامت فوقيه وكتمت نفسه وهي مش دريانة!
الضحك انفجر في السوق كأنه طلقات رصاص.
ياسين لف بسرعة لدرجة إن الشال الأصفر طار في الهوا وهو بيقول بحدة قولي الكلمة دي تاني كدة!
كريمة اتحركت قبل ما تفكر. سابت طبلية العيش، وقطعت الكام خطوة اللي بينهم، ومسكت دراعه بإيدين ثابتة. حست بعضلاته تحت إيدها بتترعش زي الحصان اللي بيعاند اللجام.
قالت له بصوت واطي وحنين بلاش.. مايستاهلوش.
عينه جت في عينها. من قريب، ماكنتش عين راجل مفتري زي ما بيحكوا، كانت عين راجل مكسور.
كملت كريمة كلامها الناس دي ما تسواش ضفر بنتك.
السوق كله وقف يتفرج، وكأن الكل مستني يشوف ياسين هيختار يكون أنهي راجل فيهم. وفجأة، قبضة إيده فكت، وكتافه نزلت لتحت، وبص للفة اللي في حضنه وكأنه افتكر هو جاي هنا ليه.
لما بص لكريمة تاني، الغضب كان اختفى، ومابقاش فاضل غير الرجاء تقدري تلحقيها؟ مرة واحدة بس.. وهديكي اللي تطلبيه.
كريمة بصت للبنت.. بصت لبقها الصغير الضعيف، ولونها اللي هرب منه الدم. بعدها بصت للوشوش اللي حواليها، الوشوش اللي مستنية فضيحة تتسلى بيها، وحست بشيء جوه قلبها بيجمد.. مش غضب، لكن يقين.
قالت له أنا مأجرة أوضة في سكن أم السعد.. شارعين من هنا. هاتها وتعال ورايا.
نفس طويل طلع من صدره كأنه كان بيغرق ولقى برّ. هتحاولي؟
ردت بكلمة واحدة هحاول.
كريمة مارجعتش غير عشان تغطي
العيش بقماشة، وخدت صندوق الفلوس في شنتطها.
تم نسخ الرابط