الجنـة لا تُنـال بالظلـم كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

المترو هدى سرعته فجأة، وبطني كمان "كشت" من الخضة، كأن ابني اللي لسه ما شرفش الدنيا حاسس إن في عاصفة جاية. في ثانية، لقيت جوزي بيشدني من دراعي بعنف وقفني مكاني وهو بيبرق لي: "أمي تقعد الأول!".
حسيت بنظرات الناس بتخترقني؛ اللي بيبص لي بشفقة، واللي خايف يتدخل، واللي عامل نفسه مش شايف عشان ما يتحطش في الموقف. ضغطت على سناني عشان دموعي ما تنزلش، وحماتي كانت واقفة بتبتسم بانتصار، وكأنها بتتفرج على عرض مسرحي هي بطلته.
فجأة، وسط السكوت ده، صوت ست كبيرة، هادي ورزين، قطع الهمس وقالت تلات كلمات شقلبوا الكيان: "الناس بتصورك يا بطل"… بقلم مني السيد 
أحمد جوزي اتلفت حواليه وهو مذهول.. وأنا كمان بصيت، ولقيت موبايلات مرفوعة من كل ناحية، عدسات متوجهة له وبتسجل كل حرف وكل حركة. في

اللحظة دي بس فهمت.. فرعنته وسيطرته ما بيعيشوش غير في الضلمة والبيوت المقفولة، لكن النور بيكسرهم.
المترو في ساعة الذروة كان ريحته "عرق وزنقة وكتمة نَفَس" . الناس كانت واصلة لدرجة من التعب تخلي الواحد يغمض عينه عشان بس يوصل لبيته. وأنا كنت في نص الشهر التاسع، بطني مشدودة، وضهري مقسوم نصين، بحاول بس ألاقي "سنتيمتر" أقف فيه وسط الشنط والزحام.
جنبي كان أحمد، ماسك في عمود المترو بإيد والموبايل في الإيد تانية، ولا كأني موجودة. وقدامنا الحاجة سميحة، واقفة زي الرمح، بملامح كلها كبرياء غريب. هي مش ست عجوزة ولا مريضة، هي بس "عايزة الكلمة تمشي". وأحمد كان طول عمره عايش عشان يرضيها هي وبس.
أول ما القطر فرمل، جالي نغزة خفيفة في بطني، زي تنبيه. شفت كرسي فاضي —من بتوع كبار السن والحوامل—
فصدقت لقيت فرصة، ورميت جسمي عليه وأنا بحمد ربنا على لحظة الراحة دي.بقلم مني السيد
الراحة ما كملتش ثواني.
لقيت إيد أحمد بتطبق على دراعي بقوة وجعاني، ورفعني من مكاني كأني شوال خضار:
— "إنتي هتستعبطي؟ تقعدي وأمي واقفة على رجليها؟!"
الكلمة رنت في العربة كلها. السكوت نزل فجأة، سكوت مرعب. الناس بصت وبعدين لفت وشوشها تاني.. خوف من المشاكل. عيل صغير نزل الهيدفون من على ودنه، وست كانت بتكتب رسالة وقفت إيدها. المترو كله كتم نفسه.
الحاجة سميحة رفعت راسها لفوق بزهو، وكأنها خدت حقها الضايع. ما نطقتش ولا حرف، بس نظرة عينيها كانت بتقول "أنا الكل في الكل".
أنا فضلت ماسكة في العمود وجسمي كله بيلرز. مش من هزة المترو، لا.. من الذل. من بصمة صوابع أحمد اللي علمت في لحمي. وسألت نفسي سؤال وجعني
أكتر من الحمل: "لو بيعمل فيا كدة قدام الناس.. بيعمل إيه لما بنبقى لوحدنا؟"
أحمد ساب دراعي ورجع يبص في موبايله ببرود، كأنه عمل إنجاز. وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة المرة: أنا بالنسبة له مش شريكة حياة، أنا مجرد "ديكور" لازم ينفذ أوامره وتوقعات أمه.
حاولت أبلع ريقي، بس الزور كان واقف فيه غصة.  عيني غيمت بالدموع، وكرهت ضعفي في اللحظة دي. كنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني.
وفجأة، من آخر العربية، صوت ست مسنة، صوتها فيه هيبة ومابيتعاش، قطع الحالة دي زي السكينة:
— "اللي بتعمله ده.. قلة أدب وتعنيف."
تلات كلمات بس، بس الدنيا بعدها ما رجعتش زي الأول.
لأن في حد نطق.. حد سمى الوجع باسمه.
وفي اللحظة دي، عرفت إني مش لوحدي.. وإن الضربة الجاية مش هتكون منه، الضربة المرة دي هتكون مني أنا.
.
.. يتبع

بقلم مني السيد

تم نسخ الرابط