«حيـن ظـنّ أنـه كـسرها… فـاخـتارت نفسـها» برجاء عدم نسخ هذا المقال
الجزء الأول
من الآن فصاعدا أنا الذي أقرر متى نتحدث. توقفي عن ملاحقتي. وبصراحة أنا خفضت مستواي حين تزوجتك.
ففعلت بالضبط ما طلبه
إلى أن ظهر فجأة في مدرستي يحمل الورود متوسلا إلى المرأة التي ظن أنه حطمها.
قال ذلك في ليلة ثلاثاء من شهر أكتوبر.
كنت أقف أمامه مرتدية فستانا اشتريته خصيصا للاحتفال بحصولي على جائزة معلمة العام.
كان العشاء جاهزا سمك السلمون مطهوا بإتقان الشموع منخفضة الضوء وأطقم الزفاف مصطفة على الطاولة كأنها وعد قديم.
دخل متأخرا ثلاث ساعات.
أرخى ربطة عنقه ألقى نظرة سريعة على هاتفه ثم قال وكأنه يقرأ من قائمة
من دلوقتي أنا اللي أحدد إمتى نتكلم أو نقضي وقت مع بعض متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات...
توقف لحظة ثم تابع بنبرة ضجر
وبلاش بقى حكاية الجري ورايا دي إنت عاملة زي الجرو اليائس.
ثم جاءت الجملة التي شقت الهواء بيننا كقطعة زجاج حادة
أنا نزلت بمستوايا لما اتجوزتك. إنت عمرك ما هتكوني في مستوايا.
لم أجد ردا.
ليس لأنني عجزت بل لأن شيئا ما بداخلي تجمد تماما.
دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه.
لم أبك.
لم أصرخ.
لم أتوسل.
شعرت فقط ببرودة دقيقة تستقر في صدري كأن بحيرة كاملة تجمدت فجأة.
لحظة صافية بلا دموع بلا فوضى.
وإن كان الصمت والمسافة هما ما يريدهما
فسأمنحهما له.
بطاعة كاملة.
في الصباح التالي أعددت فنجان قهوة واحدا.
وضعت طبقا واحدا من البيض.
حضرت غدائي بنفسي.
حين وقف عند باب المطبخ متحيرا من الفراغ الذي خلفه غيابي عن تفاصيله نظر إلي وكأنه ينتظر شيئا أي شيء.
ابتسمت ابتسامة مهذبة وقلت بهدوء
صباح الخير يومك سعيد.
ثم أخذت حقيبتي وغادرت إلى المدرسة.
الجزء الثاني
أصعب ما في الأمر لم يكن الصمت
بل فك الاعتياد.
كانت يدي تمتد تلقائيا نحو الهاتف بين الحصص الدراسية لأرسل له رسالة قصيرة سؤالا عابرا علامة وجود.
كنت أوقفها في منتصف الطريق كمن لمس موقدا مشتعلا فتراجع فورا.
تعلمت أن أوجه تلك الطاقة إلى مكان آخر.
راسلت أختي وقلت لها
تيجي نتعشى سوا
ثم أجبت رسالة قديمة من صديقة طالما اعتذرت لها
آه فاضية النهارده.
وقبلت أخيرا دعوة المعلمة في نهاية الرواق التي ظلت تقول لي منذ شهور
إيه رأيك تيجي تاكلي معانا في غرفة المدرسين
في اليوم الثالث أدركت أنني فرشت أسناني رتبت حقيبتي وأنهيت نوبة الصباح
من دون أن يخطر اسمه على بالي ولو لمرة واحدة.
في صفي صنعنا دورة الماء بأكياس بلاستيكية وشريط لاصق.
ضحك الأطفال حين ظهرت قطرات التكاثف وتعلقت عيونهم بالعلم كما لو أنه سحر.
لاحظت كم كنت أفتقد هذا الشعور أن أكون حاضرة فعلا.
في الفسحة أصلحت خلافا على لعبة كرة بهدوء وصبر لم أشعر بهما منذ شهور طويلة.
وعند الغداء أكلت تفاحتي ببطء وتذوقت طعمها حقا.
ليلة الأربعاء دخلت فصل الفخار الذي كنت أتهرب منه منذ زواجنا.
انضغط
ضحكت المدرسة مارغريت المرأة التي لا يفارق الطين أظافرها وقالت لي بلطف
كويس إنت كده بتتعلمي. متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات
جلست بجانبي وقالت وكأنها تحكي سرا قديما
أنا ابتديت من جديد وأنا عندي ستين سنة بعد طلاق. صدقيني أحيانا أحلى الحاجات اللي بنبنيها بتطلع من الخراب.
آمنت بكلماتها دون تردد.
بحلول اليوم السابع فتحت حسابا بنكيا باسمي وحدي.
أضفت تحويلات صغيرة تلقائية كخطوات حذرة لكنها ثابتة نحو الأمان.
وفي اليوم الثامن جلست أمام محامية طلاق.
قلبت أوراقي قرأت ملاحظاتي تواريخ كلماته الديون التي سددتها عنه حين كان يدرس القانون والوظيفتين اللتين عملتهما لأدعمه.
رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة باردة واثقة وقالت
شراكته مال زوجي مشترك.
ثم أضافت بنبرة حاسمة
وإحنا هنعلمه الجملة دي كويس.
الجزء الثالث
في الوقت الذي كنت أستعيد فيه نفسي قطعة قطعة
كان هو يتفكك.
تكدست علب الطعام الجاهز في سلة القمامة.
البدل التي اعتدت أن أستلمها من المغسلة كل خميس ظلت معلقة هناك تحمل بطاقات صفراء مهملة.
كان يقف في المطبخ يفتح الخزائن ويغلقها بلا هدف يحدق في ثلاجة مليئة بالأطعمة التي أنا أحبها.
الرجل الذي يقيس قيمته بعدد الساعات القابلة للفوترة
لم يتعلم يوما كيف يبقي حياة قائمة.
اتصل بي.
تركته يرن.
أرسل رسالة
إنت كويسة
ثم أخرى
لازم
ثم ثالثة
السكوت ده مش صحي.
ضغطت حذف
حذف
حذف.
لا عنادا ولا انتقاما.
بل التزاما حرفيا بما قاله بنفسه.
هو من أعلن أنه سيقرر متى نتحدث.
مر أسبوعان.
وفي اليوم الرابع عشر دوى صوت الإذاعة المدرسية في أرجاء المبنى
الأستاذة ليلى يرجى التوجه إلى مكتب الإدارة متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات
سرت في الممر بخطوات ثابتة.
وعندما دخلت الردهة رأيته.
كان يقف هناك ببدلة توم فورد كتمثال وضع في المتحف الخطأ.
في يده باقة ورود ضخمة كبيرة إلى حد بدا معه كأنه يتحدى المكان.
توقف أولياء الأمور عن الحركة.
تجمد بعض المعلمين في أماكنهم.
انفتح باب مكتب المديرة قليلا.
بدأ يتحدث بسرعة بلا ترتيب وكأن الكلمات تهرب منه
أنا روحت علاج كنت مضغوط غلطت.
ثم بسرعة أكبر
تعالي نتعشى عند أنجيلو الساعة سبعة أنا وحشتيني.
راقبته وهو يحاول العثور على الجملة التي ستعيد له السيطرة.
لم تكن موجودة.
سألني أخيرا بنبرة مكسورة
إنت عايزة إيه مني
كان سؤالا خاطئا.
قلت له بهدوء قاتل
أنا بعمل اللي إنت طلبته.
ثم تابعت دون أن أرفع صوتي
إنت طلبت مسافة وأنا اديتهالك.
قلت إنك إنت اللي تحدد إمتى نتكلم وأنا مستنية.
وقلت إننا مش متساويين فبطلت أتصرف كإني إضافة في حياتك.
ارتباكه تحول إلى غضب.
وغضبه انكسر إلى توسل.
اقترب قليلا وقال بصوت منخفض
طب تعالي نتكلم في حتة خاصة.
كأن الخصوصية قادرة على
ساد الصمت.
ذلك الصمت الغريب الذي يسبق اللحظات الحاسمة.
توقف الأطفال عن الحركة.
دفعت السيدة هندرسون