بين الحياة والموت ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

ملخبطوش، وبعدين هو مش عارف إن المصابة دي تبقى فيروز مراته أصلا! هو فاكرها واحدة غلبانة اتقلبت بالموتوسيكل وخلاص، كل همه كان نيفين هانم اللي رجليها اتلوت ومناخيرها نزفت نقطتين دم من خضة الحادثة. بس بيني وبينك، طارق قلبه ميت، دخلها العمليات وفتح بطنها وشال الطحال ووقف النزيف على مسؤوليته، وعمار قالب الدنيا عليه من وقتها وبيتوعدله بالنقل لمستشفى الأحرار في الزقازيق.
الكلام نزل عليا زي مية نار بتغلي، مش بس صدمة، دي حقيقة عريانة وباردة وقاسية.
عمار مكنش عارف إني أنا المصابة؟ يعني هو سابني أموت، مش بس عشان خاني واتجوز نيفين عليا في السر واداها أولوية على حسابي، لأ، ده كان مستعد يضحي بروح إنسانة غريبة بتموت قدام عنيه وعارف إنها بتنزف، عشان بس نيفين مراته الجديدة متهتزش ولا تتخض! الخسة مكانتش موجهة ليا كزوجة بس، دي كانت طبع متأصل فيه كبني آدم وكطبيب خان كل يمين حلفه.
غمضت عيني والدموع نزلت سخنة على خدي، حرقت جلدي الباهت. خمس سنين، خمس سنين وأنا بدوس على نفسي وطموحي وشغلي، سايبة بنك دولي وبوزيشن كان هيخليني أصغر مديرة مخاطر، عشان أعمله أكل سخن، وأغسله البلاطي البيضا، وأسدد أقساط الشقة اللي في التجمع من شقى أهلي وتعب سنيني، وهو كان عايش حياته بالطول والعرض، اتجوز عليا نيفين، الممرضة اللي دخلت القسم من سنة واحدة بس، وكان بيتبغدد بفلوسي وعربيتي اللي ركبها.
أخدت نَفَس طويل وجعني أوي، بس الوجع ده فوقني. مسحت دمعتي بطرف الغطا بكف إيدي اللي بيترعش. البكا مش هيرجعلي طحالي اللي اتشال، ولا هيرجعلي الخمس سنين اللي اترموا في الزبالة. الضعف دلوقتي موت، وأنا رجعت من الموت بمعجزة ومش ناوية أموت تاني على إيده.
الباب الإزاز اتفتح براحة، ودخلت الممرضة سناء ومعاها الدكتور طارق.
طارق كان وشه شاحب، باين عليه إرهاق خناقات ليلية، لابس سكرابز كحلي وتحت عينيه سواد، بس أول ما شافني فاتحة عيني وشه ارتاح شوية وقرب مني بخطوات سريعة.
حمد لله على سلامتك يا مدام فيروز. متتصوريش أنا مبسوط قد إيه إنك فوقتي وبتبصيلي كدة.
صوتي طلع واطي ومبحوح كأنه طالع من بير الله يسلمك يا دكتور.. شكرا إنك أنقذت حياتي.
طارق بص للممرضة وشاورلها تسيبنا، وقرب كرسي وقعد جنبي. نبرته كانت فيها احترام وحرج في نفس الوقت، باين عليه إنه ربط الخيوط وعرف هويتي لما شافوا بطاقتي وبينات الشقة اللي في البطاقة أنا عملت واجبي اللي يمليه عليا ضميري، ومش ندمان عليه حتى لو كلفني مستقبلي في المستشفى هنا. بس أنا لازم أكون صريح معاكي، عمار بيه معرفش لحد دلوقتي إنك أنتِ المريضة اللي كانت في العمليات، هو افتكر إن أهلك لسه موصلوش لإن الحادثة كانت ربكة وبطاقتك كانت واقعة تحت كرسي السكوتر وعامل النظافة لقاها متأخر وسلمها للإدارة الصبح. هو مشغول فوق في الجناح الخاص مع نيفين، بيعملها فحوصات وفولأب من لا شيء.
بصيت لطارق بثبات فاجئه هو شخصيا، مكنش في عيني ذرة انكسار، كان في لمعة غريبة، لمعة حد وصل لقاع البير فمبقاش يخاف من العتمة دكتور طارق.. أنا عايزة ورقة بيضا وقلم.
طارق قطب جبينه باستغراب ورقة وقلم؟ يا مدام فيروز أنتِ لسه خارجة من استئصال طحال ونزيف حاد، الضغط بالعافية اتظبط، محتاجة ترتاحي تماما 48 ساعة على الأقل. لو سمحت.. ورقة وقلم من النوتة بتاعتك.
طلع طارق قلم جاف ونوتة صغيرة وقطع منها ورقة وحطها قدامي على الصينية المتحركة جنب السرير. مسكت القلم بأصابع بتترعش من ضعف العضلات وقلة التغذية، وسندت ضهري على السرير بوجع كتمت صرخته جوايا، وكتبت سطرين اتنين بخط واضح وثابت
أنا فيروز المهدي، أقر بكامل إرادتي وبوعيي التام بطلب الطلاق النهائي والخلع من المدعو عمار الشناوي، وتجريده من أي صفة قانونية أو طبية تخصني من هذه اللحظة، ولا أسمح له بالاقتراب مني أو من ملفي الطبي.
وقعت باسمي وتاريخ اليوم وساعة كتابة الورقة، وحطيت القلم.
الورقة دي، يا دكتور طارق، هتفضل معاك، ولو عمار حاول يدخل الأوضة دي أو يقرر أي حاجة بخصوص علاجي، تديله الورقة دي في وشه وتقوله إنك متقدم ببلاغ لنقابة الأطباء وللإدارة لو قرب مني.
طارق أخد الورقة وقراها، ونظرة احترامه ليا زادت اطمني، هو أصلا مش من حقه قانونا يقرب من حالتك طالما رفضتي إشرافه كتابيا. بس أنتِ ناوية على إيه؟ خروجك من المستشفى دلوقتي انتحار. مش هخرج قبل ما أقدر أقف على رجلي، بس مش هقعد هنا أكتر من اللي يخليني أتحرك. عندي حسابات قديمة لازم تتصفي، وفي حاجات اتسرقت مني ولازم ترجع، مليم مليم.
مرت الساعات تقيلة وموجعة. طارق كان بيتابع حالتي بنفسه، غيرلي المحاليل وأمر بمسكنات خلت الوجع محتمل نوعا ما. على الساعة اتنين بعد نص الليل، المستشفى هديت تماما، النبطشيات استقرت، ومفيش صوت غير التكييفات المركزية وصوت خطوات الدكتور النوبتجي في الممر.
كنت ساندة نفسي وبدأت أحرك رجلي واحدة واحدة. الوجع في جنبي كان بيحرق كأنه كاوية نار، بس الغضب كان مسكن أقوى من أي مورفين. اتسندت على الحيطة ودخلت الحمام الصغير الملحق بالأوضة، غسلت وشي بمية ساقعة، بصيت لنفسي في المراية.. وشي كان شاحب كأنه تلج، وشعري مربوط بعشوائية، بس عيني كانت صاحية
تم نسخ الرابط