فـاتورة كهرباء ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

تليفوني اللي كان لسه في إيدي، وفتحت الاسبيكر على الأستاذ شريف المحامي اللي كان لسه معايا على الخط.
قلتله سامع يا أستاذ شريف؟
صوت الأستاذ شريف جه وقور وقاطع زي السيف
سامع يا مدام مروة. أستاذ أحمد، أحب أفكرك إن الشقة صحيح اتكتبت باسمك، لكن بعقد بيع نهائي صوري، والفلوس كلها مدفوعة من حساب مدام مروة البنكي بالمليم، وعندي إقرار تنازل وشيكات موقعة منك في مكتب الصياغة لما أخدت منها تمن الشقة علشان تسدد ديون شركتك القديمة اللي فلست. الشقة دي قانوناً وواقعاً ملك للمدام، وبكرة الصبح هبدأ إجراءات طردك أنت ووالدتك الكريمة.
أحمد الموبايل كان هيقع من إيده، وبص لأمه اللي كانت بتنهج من كتر الصدمة والحر اللي بدأ يكبس على المكان.
أحمد قال بتلعثم مروة.. إنتي بتدخلي المحامين بينا؟ علشان موقف تافه؟ أمي كانت بتتكلم بحسن نية، الست كبرت وتعبت في المطبخ!
حسن نية؟!
صرخت فيها لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده. صرخت بكل الكتمان اللي كتمته، بكل تمن غسالة وثلاجة وسفرة دفعت تمنهم وشيلت جميلهم على أساس إننا واحد.
أنا عمري ما قصرت يا أحمد. أنا بنزل من 8 الصبح وبموت في الشغل علشان أدفع أقساط الشقة اللي إنت قاعد فيها دي، وعلشان أجيب الأكل اللي مامتك بتطبخه وتعايرني بيه! أنا باعتة لك رسالة بقولك فيها إني جاية مهدودة وهغسل المواعين.. تقوم تسيبها تسمعني الكلام ده وتتفرج عليا؟
مواجهة تحت سقف غاضب
حماتي لما لقت ابنها وشه اصفر وسكت، بدأت تحس إن البساط بيتسحب من تحت رجليها، بس الجبروت اللي جواها ممتش، قالت وهي بتهوي على وشها بطرف جلابيتها
جرى إيه يا واد يا أحمد؟ هتسكت للبت دي؟ دي بتلوحنا بفلوسها؟ شقة إيه اللي تطردنا منها؟ أعلى ما في خيلك اركبيه يا مروة، أنا قاعدة في بيت ابني، ورجلي على رقبتك.
بصيت لها ودمعة سخنة نزلت من عيني مسحتها بسرعة، وقلت
بيتك؟ طب تصدقي بالله يا حاجة فاطمة.. أنا كان نفسي تطلعي أمي بجد. كنت باجي من الشغل تعبانة، ألاقيكي عامة المحشي اللي ريحته قالبه الدنيا، أقول في نفسي حماتي شايلالي منابي وبتدعي لي، أتاريكي بتطبخي بفلوسي وتأكلي ابنك، وتسيبي لي الفضلات ناشفة وتعايريني؟ الكارنيه اللي في شنطتي ده هو اللي ممشيكي مرفوعة الراس وسط جيرانك في مدينة نصر، بعد ما كنتوا قاعدين في أوضتين إيجار قديم في السيدة!
مروة! الزمي حدودك ومتحكيش في القديم! أحمد زعق وهو بيحاول يمسك دراعي، بس نفضت إيده بقوة وعزم أول مرة أحس بيهم.
القديم ده هو اللي عملك بني آدم يا أحمد! أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة. الشنطة دي فيها حياتي اللي هبداها من جديد. ومن بكرة، الشقة دي هقفلها بالمُنشار والقانون. هقطع عنكم المية والكهربا رسمي، لأن العدادات كلها باسمي أنا.. مروة الكسلانة.
اللحظة الحامضية
حماتي قعدت على السفرة اللي أنا شارياها، وبدأت تلطم على وشها تمثيل عشان تستميل أحمد
شايف يا أحمد؟ بتعايرنا بفقرنا؟ شايف المديرة الهانم بتعمل في أمك إيه؟ أطردني يا أحمد.. اطرد أمك عشان ترضي الست الهانم اللي جايبالك الشقة!
أحمد، بضعفه المعتاد وقلة حيلته، اترمى في النص.. يبص لأمه ويبصلي، وعينه فيها رجاء مسموم
مروة.. علشان خاطري، بلاش فضايح وسط الجيران، شيلي الشنطة دي وادخلي الأوضة، والكهرباء هتنزل ونتفاهم.. أمي مش قصدها.
لأ.. قصدها وقصدك.
شلت الشنطة البني على كتفي، ورفعت راسي لفوق. الجو في الشقة كان بقى زي جهنم، العرق نازل على وشي مخلط بدموع القهر، بس الرؤية قدامي كانت واضحة لأول مرة.
أنا كنت فاكرة إني ببني بيت.. طلعت ببني سجن لنفسي وبدفع تمن قفله بإيدي. الأكل اللي على السفرة ده.. مش عايزة منه لقمة، يجعله مطرح ما يسري يهري. أنا ماشية.
فتحت باب الشقة.. الهوا اللي في الطرقة برة، رغم إنه كان حر، بس حسيت إنه أنظف وأخف من الأوكسجين اللي جوة الشقة دي.
رحلة في شوارع القاهرة
نزلت السلم وجريت، مكنتش قادرة أستنى الأسانسير. صدى صوت حماتي وهي بتدعي عليا وصوت أحمد وهو بيزعق ورايا مروة.. ارجعي متخربيش بيتك! كان لسه بيرن في وداني.
خرجت للشارع.. الشمس كانت بدأت تكسر بس الأسفلت لسه بيطلع نار. ركبت عربيتي.. العربية اللي أحمد كان بياخدها كل جمعة يغسلها ويتمنظر بيها قدام أصحابه وكأنها بتاعته.
سندت راسي على الدريكسيون وانفجرت في العياط.
عيطت على ال 32 سنة من عمري، على شهور التعب والتدقيق في الحسابات، على طموحي اللي كان بيموت كل يوم على عتبة البيت ده. افتكرت أبويا الله يرحمه لما قال لي يوم فرحي يا مروة.. أنتي بميت راجل، بس أوعي تدّي أمانك كله لراجل مش قاد يشيل نفسه. مكنتش فاهمة كلامه وقتها، كنت فاكرة إن الحب بيشيل كل حاجة. طلعت هبلة.. طلعت الست اللي بتدفع تمن اللقمة ذل وقهر.
مسحت دموعي وشغلت التكييف بتاع العربية.. وغمضت عيني.. المرة دي التكييف مفصلش.. المرة دي محدش مد إيده وقفل السكينة.
شغلت العربية وطلعت على بيت أختي الكبيرة هالة في التجمع.
ملجأ هادئ ولكن..
وصلت بيت هالة وأنا شبه منهارة، أول ما فتحت لي الباب وشافت الشنطة البني وعيني المنفوخة، خدتني في حضنها من غير ما تسأل ولا كلمة.
دخلت، قعدت على الكنبة وهالة جابت لي كباية مية بليمون باردة.
بعد ما هديت
تم نسخ الرابط