خراب بيوت ج 2 حكايات مني السيد حصري علي مدونة ايـام
يا عمي.. بس تظن إن تصرف بنتك يرضي ربنا؟ تدخل تطرد أمي للمرة التانية وتهددها بالبوليس في شقتي؟
الحاج عادل وقف، وبص ل أحمد بنظرة لوم شديدة وقاله بصوت وقور وهادي
اقعد يا أحمد يا ابني.. اقعد عشان الكلام اللي هنقوله ده كلام رجالة، ومفيش فيه مكان لصوت عالي.
أحمد قعد وعينيه بتروح وتيجي على مروة اللي كانت باصة قدامها ببرود تام.
الحاج عادل كمل كلامه
الشقة دي يا أحمد، بنتي دافعة فيها دم قلبها وشقا سنين شغلها، وإحنا مجهزينها بأحسن جهاز. لما أمك تدخل بمفتاح طوارئ في غياب بنتي، وترمي أكلها وتبهدل حاجتها وتقولها كلام يجرح كرامتها، يبقى أمك اللي غلطت في الأصول. وبنتي لما اتعصبت وغلطت امبارح ورمت الأكل، أنا جيت معاها النهاردة وكنت ناوي آخدها من إيدها وأنزل بيها لأمك عشان نصالحها ونبوس على راسها بالأصول.. لكن لما أمك تستغل نزول بنتي، وتتصل بيها تشمت فيها وتقولها أنا طالعة أحتل شقتك وأطبخ فيها غصب عنك، وبمباركة منك يا أحمد.. يبقى إنتو اللي هدّيتو البيت بإيديكم.
أحمد وشه احمر وبص في الأرض
يا عمي أنا مكنتش أعرف إن أمي هتتصل بيها وتقولها كده.. بس برضه مروة مكانش ينفع تطردهم بالمنظر ده.
مروة اتدخلت وصوتها كان خالي من أي عشم
خلاص يا بابا.. ملوش لزوم العتاب. أحمد جه ومعاه ورقتي زي ما قال في التليفون، وأنا جاهزة.
بصت ل أحمد وقالت
الكشكول ده يا أحمد، مكتوب فيه كل تفصيلة في الشقة دي. حاجتي وجهازي والمنقولات اللي باسمي هتيجي عربية تاخدهم بكرة الصبح بالملّي والمحضر. والشقة دي، بما إننا دافعين تمنها بالنص، فإنت قدامك حل من اتنين؛ يا تشتري نصي وتدفعلي تمنه كاش بسعر النهاردة، يا نبيع الشقة دي لأي حد غريب وناخد فلوسنا وكل واحد يروح لحاله. وورقتي توصلني لبيت بابا معززة مكرمة وبكل حقوقي الشرعية.
أحمد بص ل مروة بذهول. مكانش متخيل إن الأمور هتوصل للبيع والشراء والطلاق الفعلي. هو كان فاكر إن التهديد بالطلاق هيكسر خشمها ويرجعها لطوعه وتعتذر لأمه، بس لقى قدامه ست تانية خالص، ست قوية وناشفة وبايعة كل حاجة عشان كرامتها.
إنتِ بتتكلمي بجد يا مروة؟ قال أحمد بصوت مهزوز بالسهولة دي بتنهي كل حاجة؟ عشان خاطر خناقة مطبخ؟ فين الحب اللي كان بيننا؟
مروة ضحكت بوجع ودمعة واحدة نزلت من عينيها مسحتها بسرعة
الحب ده مات يا أحمد.. مات لما زقيتني عند الباب ونزلت تشتكي لأمك.. مات لما سمحت لأمك وأختك يدخلوا شقتي في غيابي عشان يشمتوا فيا ويهينوني.. مات لما قولتلي الشقة شقتي وبفلوسي ونسيت إننا كنا شركاء في كل حاجة. المطبخ الأبيض اللي بوظتوه، كان حلمي.. وبوظان الحلم بدأ من عندك إنت مش من عند أمك.
الحاج عادل وقف وطبطب على كتف مروة
يلا يا بنتي.. لِمّي حاجتك الباقية وخلينا نمشي. والأستاذ أحمد قدامه أسبوع بالظبط يرد عليا في تمن الشقة، وإلا القضاء هو اللي هيحكم بيننا.
خرجت مروة مع أبوها، وسابوا أحمد قاعد في الصالة لوحده. الشقة رجعت هادية تاني، بس المرة دي كانت هادية زي المقبرة.
أحمد بص حواليه.. الشقة نظيفة وبتلمع، بس مفيهاش روح. دخل المطبخ الأبيض، وبص للرخام والحوائط.. تذكر ضحك مروة وهي بتختار الألوان، وتذكر وقفتهم مع بعض يطبخوا أول يوم جواز. ودلوقتي؟ المطبخ نظيف، بس مفيش فيه غير طاسة أمه الحديد المحطوطة في الكيس الأسود.. طاسة كانت السبب في خراب بيته.
عرف أحمد في اللحظة دي إنه خسر كل حاجة؛ خسر البنت اللي حبته وصانته، وخسر بيته وحياته، عشان خاطر يرضي تسلط أمه وعناد أختها. ونزل لأمه تحت وهو مكسور وضهره محني، ومش عارف هيقولها إيه.. هيقولها خربتوا بيتي والهانم مشيت ورأسها مرفوعة؟.
أما مروة.. فكانت راكبة في العربية جنب أبوها، باصة من الشباك على أنوار الشارع. كانت حزينة، وقلبها مجروح وجع ميتنسيش، بس جواها كان فيه راحة غريبة. راحة الست اللي دافعت عن كرامتها وعن حدود بيتها لآخر نفس، وعرفت إن اللي ميعرفش قيمتك في أول خطوة، عمره ما هيعرفها وإنت بتموت عشان خاطره.
وانتهت حكاية المطبخ الأبيض.. بحيطة سد، وبيوت اتهدت، ودرس عمره ما يتنسى في الأصول والحدود.