خـراب بيوت ج 1 حكـايات مني السيد حصري علي مدونة ايـام
المحتويات
كانت بتعيط بقهره، جسمها كله بيترعش من الصدمة ومن الأدرينالين اللي كان عالي في دمها.
بصت حواليها... الشقة اللي بقالها شهرين بس متجوزة فيها، وكان كل ركن فيها بيلمع وريحتها ورد وياسمين، بقت ريحتها تقرف. ريحة التقلية والسمن المحروق وصلت لحد أوضة النوم.
قامت وقفت وهي بتعيط، دخلت المطبخ وبصت للمنظر... الرخامة البيضا الكالاكاتا الغالية اللي فضلت تلف عليها في المعارض شهور، بقت مبقعة بدم اللحمة الني والزيت. الحيطان السيراميك اللي اختارت ألوانها بالملّي، بقت مطفية ومغطية بطبقة تلزق. والحوض... الحوض كان كارثة حقيقية، المية وقفت فيه لأن سمنة البلدي جمدت بسرعة مع المية الساقعة وسدت البلاعة!
يخرب بيتك... يخرب بيتك يا أم أحمد بوظتيلي دنيتي... قالت مروة وهي بتلطم براحة على وشها من الصدمة
فتحت موبايلها وبصت في الساعة؛ كانت 530 بعد الظهر. أحمد زمانه على وصول، مفيش غير نص ساعة ويكون هنا.
سألت نفسها هعمل إيه؟ هقوله إيه؟ أقوله طردت أمك ورميت أكلها في الحوض؟
أحمد بيحب أمه، وأمه عارفة نقطة ضعفه كويس... الست دي مش هتروح بيتها، دي أكيد قاعدة مستنياه على السلم أو دخلت شقتها اللي في الدور الأرضي وبتعيط وتتبلى عليها!
مروة مسحت دموعها بعنف. اتحولت حالة الانكسار لحالة غضب وتحدي. دخلت الأوضة بسرعة، لبست ترينج مريح، ولمت شعرها وعملت كحكة فوق راسها، وربطت إيشارب قديم، ودخلت المطبخ وهي ناوية تهد وتَبني.
جابت جردل مية سخنة بتغلي، وحطت فيه كل المنظفات ومزيلات الدهون اللي عندها. بدأت ترش على الحيطان والدواليب وهي بتدعك بكل قوتها. كانت بتدعك وهي بتفتكر نظرة الاستهزاء في عين حماتها، وكلمتها ابني وشه أصفر من يوم ما اتجوزك.
أصفر؟ ده أنا بؤكله أكل بروتين وخضار وسوتيه عشان الكوليسترول اللي كان عالي عنده! ده أنا بحافظ على صحته يا جاهلة! كانت مروة بتكلم نفسها بصوت عالي وهي بتنظف الرخام بعصبية
الساعة بقت 615، ومروة كانت لسه بتسلك في الحوض بمية مغلية وبوتاس، والمطبخ كان لسه ريحته قالبه الدنيا رغم إنها فتحت الشبابيك كلها وشغلت الشفاط والفلتر.
فجأة... سمعت صوت المفتاح بيلف في الكالون.
قلبها سقط في رجليها. أحمد جه.
دخل أحمد الشقة، أول ما فتح الباب، ملامحه اتقبضت من الريحة المخلوطة بمنظفات وسمنة محروقة. حط مفاتيحه على الترابيزة وبص يمين وشمال ونادى
مروة! إيه الريحة دي؟ إنتِ بتعملي إيه؟ وهو في صوت مية شغال كده ليه؟
مروة خرجت من المطبخ، وشها كان أحمر زي الدم من المجهود والعياط، إيديها كانت مبلولة ومغطية برغوة الصابون، لبسها متبهدل.
أحمد بص لها باستغراب وقرب منها
في إيه يا بنتي؟ مالك شكلك عامل كده ليه؟ والمطبخ ماله مقلوب؟ وإيه ريحة السمنة البلدي دي؟ إنتِ طبختي؟
مروة وقفت قدامه، حاولت تظبط صوتها ومتبانش ضعيفة، وقالت بنبرة حادة
لأ مش أنا اللي طبخت... دي والدتك العزيزة.
أحمد عقد حواجبه
أمي؟ هي أمي جت هنا؟
جت هنا؟ ضحكت مروة ضحكة سينية فيها مرار دي دخلت بمفتاح الطوارئ وأنا في الحمام. رمت شوربة الخضار اللي تعبت فيها في الحوض، ووقفت تطبخ محشي وممبار وتقلي لحمة بسمنة بلدي، وبهدلت المطبخ اللي مكملش شهر، ولما كلمتها قالتلي ده بيت ابني وأدخل في أي وقت، وأكلك ده علف ما يتقدمش لقطة!
أحمد اتنهد وحط إيده في جيبه، وقال بنبرة هادية بس فيها لوم
طب وايه يعني يا مروة؟ هي برضه كان قصدها خير، شافت إننا بنعمل دايت فصعبت عليها، وعايزة تأكلني لقمة بحبها.. مكبرة الموضوع ليه؟ فين أمي طيب؟ هي جوه؟
مروة صرخت فيه لما لقت بروده
قصدها خير؟! إنت مش شايف شكل المطبخ؟ السمنة طارت على الدواليب اللامعة وبوظتها! الرخام اتبهدل بدم اللحمة! البلاعة اتسدت! وبتقولي مكبرة الموضوع؟ أمك مش جوه يا أحمد... أمك أنا طردتها من هنا!
أحمد تنّح، وعينيه وسعت من الصدمة. سحب إيده من جيبه وقرب خطوة وهو مش مصدق
إنتِ عملتي إيه؟ طردتي أمي؟!
آه طردتها! قالت مروة وهي بتبص في عينيه بثبات طردتها لما لقتها بتقل أدبها عليا في بيتي وتستهزأ بيا وتكارك في مطبخي كأنه زريبة! ولما رفضت تخرج، مسكت طاسة اللحمة المغلية ورميتها كلها في الحوض قدام عينيها، وقولتلها اطلعي بره!
أحمد وشه اتقلب تماماً، العروق في رقبتو ظهرت، وصوته علي لأول مرة من يوم ما اتجوزوا
إنتِ اتجننتي يا مروة؟! ترمي نعمة ربنا في الحوض وتطردي أمي من بيت ابنها؟ إنتِ جرى لعقلك إيه؟! دي أمي! فاهمة يعني إيه أمي؟! الست الكبيرة دي يتقالها اطلعي بره؟
الست الكبيرة دي لازم تحترم خصوصيتي! ردت مروة وهي بتعيط وتلطم على صدرها أنا مش جارية عندها ولا عند ابنها! أنا ليا كيان وليا بيت، اللي يدخله يدخله باحترام وبإذن! مش يدخل يرمي أكلي ويبوظ حاجتي!
أحمد مسك راسه بإيديه وهو رايح جاي في الصالة زي المجنون
خصوصية إيه وزفت إيه! دي أمي يا هانم! يعني تدخل في أي وقت، الشقة دي شقتي وأنا اللي دافع تمنها، وأمي ليها حق في المكان ده أكتر منك! تروحي ترمي أكلها وتطرديها؟ دي تلاقيها بتموت من العياط تحت دلوقتي! أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة والمطبخ بتاعك ده يولع باللي فيه!
أحمد لف عشان يخرج من الشقة وينزل لأمه، ومروة جريت وراه ووقفت قدام الباب، وقالت بصوت مرعب ودموعها مغرقة وشها
لو نزلت لها دلوقتي يا أحمد، ورجعتلي وبتقولي إني غلطانة، يبقى تنسى إن ليك زوجة هنا! المفتاح اللي معاها أنا أخدته، وبيتي ده مش هيدخله حد يقلل مني تاني! اختار بقى... يا تطلع تقف معايا وتجيبلي حقي وتفهمها الحدود، يا تنزل تقعد في حضنها ومترجعش هنا تاني!
أحمد وقف مكانه، عينيه كانت مليانة غضب وعجز في نفس الوقت، وبص ل مروة بنظرة مروة مكانتش متخيلة إنها تشفها منه أبدًا... يتبع
النظرة اللي في عين أحمد مكانتش مجرد غضب، دي كانت صدمة مخلّطة بخيبة أمل وكبرياء راجل حاسس إن كرامة أمه اتهانت في عقر داره. وقف ثانيتين ينهج، عينيه بتروح وتيجي بين مروة الواقفة سد قدام الباب وجسمها كله بيترعش، وبين المطبخ اللي طالعة منه ريحة الخناق والمنظفات والدمار.
أحمد جز على سنانه وقال بصوت واطي ومرعب، فيه نبرة وعيد وعمر مروة ما سمعتها منه
أختار؟ إنتِ بتخيّريني بينك وبين أمي يا مروة؟ في شقتي؟ وبتقوليلي أقف معاكِ وأجيبلك حقك منها؟ حق إيه اللي أجيبه لواحد رمت نعمة ربنا في الحوض وطردت ست كبار في السن؟ إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تقفي قدام الباب وتمنعيني أنزل لأمي؟
مروة حست بسكينة تانية بتتدبح بيها، بس العند والوجع عموا عينيها
أنا مراتك! الست اللي اخترتها تشيل اسمك وتشاركك حياتك! أنا مكنتش برمي نعمة ربنا بطر، أنا كنت بدافع عن كرامتي اللي أمك جاية تدوس عليها تحت رجليها! الست دي دخلت بيتي في غيابي، وعاملتني كأني حتة خدامة ملهاش كلمة في بيتها! لو نزلتلها دلوقتي وطيبت خاطرها على حسابي، يبقى إنت بتدّيها الضوء الأخضر تدوس عليا كل يوم!
أحمد ضحك ضحكة
متابعة القراءة