مــرات ابنـي شغّالة ومرتبها كبيــر كاملة حكايات روماني مكرم

لمحة نيوز

تستعد لحضور حفل بهيج، وليس لمواجهة عائلية مريرة. قبل أن تنزل، وقفت أمام محمود الذي كان يجلس على حافة السرير ينظر للأرض بنظرات مكسورة.
أنا رايحة المطار أوصل بابا وماما.. عقبال ما يفرحوا بزيارة النبي. تحب تيجي معايا تسلّم عليهم وتدعي لهم؟ ولا لسه شايف إنهم م يستحقوش الفرحة دي؟
نظر إليها محمود، وشعر بذل شديد. كان يتمنى لو يملك المال ليشتري لأمه تأشيرة عمرة في نفس الفوج ليثبت لنفسه ولها أنه رجل قادر، لكن واقعه المالي المرير والديون التي بدأت تتراكم عليه خلال أسبوع واحد جعلته عاجزاً عن النطق. صمت ولم يجب، فابتسمت مروة بنظرة انتصار باردة، وأغلقت الباب خلفها متجهة إلى المطار.
عند قاعة المغادرة، كانت دموع الفرح تملأ عيون والديها الشيوخ. غمرتها والدتها بالدعوات الصالحة
ربنا يبارك فيكي يا بنتي، ويوسع رزقك، ويسعدك مع جوزك وولادك. فرحتي قلبي وقلب أبوكي بزيارة بيته الحرام.. ربنا ما يحرمك من الفرحة أبدًا.
كانت مروة تبتسم، وتخفي وراء ابتسامتها جرحاً كبيراً تسبب فيه زوجها وأمه، لكنها شعرت في الوقت نفسه بقوة هائلة؛ قوة امرأة استطاعت بمالها وجهدها أن تحقق حلم والديها دون أن تطلب منّة أو مساعدة من أحد، وقدرتها على الوقوف في وجه عاصفة الظلم العائلي بثبات كامل.
ليلة الحسم الكبرى
بعد مرور أسبوعين على سفر والدي مروة، كانت الأوضاع في شقة محمود قد وصلت إلى نقطة الانفجار التام. استحق قسط السيارة، وتلقى اتصالاً من إدارة المدرسة يطالبونه بدفع المبالغ المتأخرة وإلا سيتم إيقاف الأولاد عن ركوب الباص المدرسي. كانت الديون تلاحقه من كل جانب، ولم يجد أمام نفسه حلاً سوى اللجوء إلى والدته طالباً المساعدة المالية.
صعد محمود إلى شقة الحاجة فاطمة، ودخل يجر أذيال الخيبة
أمي.. أنا واقع في ضيقة
كبيرة ومحتاج مساعدتك. قسط العربية متأخر ومصاريف المدرسة مش معايا، ومروة قافلة حساباتها تماماً ومبتتكلمش معايا غير في حدود العيال. لو معاكي قرشين شايلاهم للزمن سلفيهملي أفك بيهم زنقتي لحد الشهر الجاي.
تغيرت ملامح الحاجة فاطمة تماماً، وظلت تفرك سبحتها بتوتر، وقالت بنبرة تهرب شائعة
يا حسرة يا ابني.. ومنين ليا؟ هو أنا بيخشلي كام من معاش أبوك الله يرحمه؟ يدوب بيكفيني علاج وأكل وشرب، والقرشين اللي كانوا معايا حطيتهم في تجديد شقة أختك السيراميك والدهانات الشهر اللي فات.. اتمسكن لها يا محمود، روح صالحها وكلمها بالهداوة وخليها تدفع، مش هي مراتك والبيت بيتها برضه؟
خرج محمود من شقة أمه والدموع تكاد تفر من عينيه؛ عرف الآن الحقيقة المرة التي كانت مروة تحاول إيضاحها له أن أمه التي شحنته وسخرته لخوض معركة كرامة وهمية باسم المال والبيت أولى لم تكن مستعدة للتضحية بمليم واحد من أجل إنقاذه من ورطته، في حين أن مروة، التي اتهموها بالأنانية والندالة، كانت تحمل البيت على كتفيها طوال سنوات دون شكوى أو منّة.
دخل شقته، ووجد مروة تجلس في الصالة تقرأ كتاباً بهدوء. رمى مفاتيحه على الطاولة، واقترب منها بخطوات بطيئة، ثم جلس على ركبتيه أمام مقعدها، في مشهد انكسار تام لم تكن تتوقعه منه.
مروة.. أنا آسف.
نظرت إليه من فوق صفحات كتابها ببرود، لكن عينيه الباكيتين جعلتها تنتظر لتسمع بقية حديثه.
أنا كنت مغفل.. مشيت ورا كلام أمي وسخونيتها والجيران، وعميت عيني عن كل اللي كنتِ بتعمليه عشاني وعشان عيالنا. افتكرت إن الرجولة والكلمة بتيجي بالصوت العالي والتحكم في قرش مش بتاعي. الأسبوعين اللي فاتوا ورّوني النجوم في عز الظهر، وعرفت قيمتك وقيمة الشيل اللي كنتِ شايلاه عني ومن غير ما تحسسيني بأي نقص.. سامحيني
يا مروة، وأنا مستعد لأي شرط تطلبيه عشان المركب تمشي والبيوت متتخربش.
شروط العهد الجديد
أغلقت مروة الكتاب ببطء، ونظرت إليه بنظرات مطولة، مزجت فيها بين القسوة والرحمة؛ فهي في النهاية تحب بيتها وتريد الحفاظ على استقرار أطفالها، لكن ليس على حساب كرامتها أو استقلاليتها المالية مجدداً.
وقفت مروة وقالت بصوت قاطع وحاسم
أنا ممكن أسامحك يا محمود.. بس الرجوع ليه ثمن، والبيت ده من النهاردة هيمشي بشروطي أنا، عشان نضمن إن الباب ده ميتقفلش علينا تاني بسبب كلام الناس والتدخلات الخارجية.
أومأ محمود برأسه موافقاً على الفور
قولي شروطك يا مروة.. وأنا موافق عليها كلها.
قالت وهي تعد الشروط على أصابعها بثبات وقوة
أولاً ذمتي المالية خط أحمر ومحدش ليه دعوة بفلوسي، أطلع أبويا وأمّي عمرة، أشتري بيها دهب، أرميها في البحر.. محدش يسألني بتوديها فين ولا بتعملي بيها إيه. أنا بساعد في البيت برضايا وحبي، مش بفرض ولا بجميلة من حد.
موافق.. والله موافق.
ثانياً الحاجة فاطمة والدتك ليها كل الاحترام والتقدير وبما يرضي الله، نزورها وتزورنا في المناسبات والأعياد والأصول.. لكن باب شقتنا ده متخطهوش عشان تنقل كلام أو تدور ورايا في المطبخ والثلاجة وتشوفني بشتري إيه وبعمل إيه. حياتنا الخاصة قفلنا عليها بالضبة والمفتاح، والكلام اللي بيتنقل من الجارات والضحكات الصفرا يفضل بره عتبة البيت ده.
حاضر.. هفهمها ده بنفسي وبكل أدب وأصول، ومحدش هيدخل في حياتنا تاني.
ثالثاً وده الأهم هتدفع من مرتبك كل شهر مبلغ ثابت ومحدد نتفق عليه يروح لحساب مصاريف العيال الأساسية، وباقي المصاريف الكبيرة أنا هكملها زي ما كنت بعمل، بس المرة دي بورقة وقلم وكل حاجة مكتوبة، عشان مفيش يوم تيجي تقولي فيه أنتِ بتعملي إيه بفلوسك أو تصدق
غريب يقولك مراتك بتصرف من ورا ظهرك.
تنفس محمود الصعداء، وشعر وكأن جبلاً ثقيلاً قد انزاح عن صدره، وأمسك بيدها وقبلها باحترام
وعد يا مروة.. من النهاردة مفيش كلمة هتطلع مني تزعلك، والبيت ده هيفضل هادي ومستقر بشروطك وأصولك.
نهاية العاصفة
عاد والدا مروة من الأراضي المقدسة، وجاءا لزيارتها في شقتها بمناسبة العودة. استقبلهما محمود بوجه بشوش وترحاب حار، وقدم لهما الهدايا والترحيب كأنه يعتذر لهما بطريقة غير مباشرة عما بدر منه سابقاً. كانت الفرحة تملأ الأجواء، وصوت ضحكات الأولاد يملأ أركان الشقة بعد أسابيع من الجفاء والغموض.
نزلت الحاجة فاطمة بعد مغادرة الضيوف، وحاولت فتح السيرة مجدداً بفضول لمعرفة ما استقرت عليه الأمور، فاستقبلها محمود في الصالة بحسم وأدب جم
أهلاً يا أمي، نورتينا. الحمد لله حماتي وحمايا رجعوا بالسلامة والعمرة كانت مبروكة. وبالمناسبة يا أمي.. أنا ومروة رتبنا أمور بيتنا ومصاريفنا بورقة وقلم، ومبقاش في داعي لأي حد من بره يشيل همنا أو يتكلم في خصوصياتنا. إحنا تمام وكل حاجة ماشية بالأصول وبما يرضي الله.
نظرت الحاجة فاطمة إلى ابنها، ثم إلى مروة التي كانت تقف في خلفية الصالة بابتسامة هادئة وواثقة، فعرفت الحما أن اللعبة قد انتهت، وأن زوجة ابنها استطاعت بذكائها، وصبرها، وقوة شخصيتها، ومالها الخاص أن تفرض شروطها وتغلق الأبواب أمام الفتن والتدخلات الخارجية بشكل نهائي.
عادت دقات الساعة المعلقة في الصالة تدق من جديد، لكن هذه المرة لم تكن كدقات الطبول المرعبة التي تنذر بالشر؛ بل كانت دقات منتظمة تعلن بداية عهد جديد لبيت تأسس مجدداً على الاحترام المتبادل،
والخصوصية، ومعرفة الحقوق والواجبات دون طمع أو نقصان. انتهت العاصفة، وبقيت مروة قوية مستقرة في بيتها، حاملةً
تاج برّها بوالديها بكل فخر وعزة.

تم نسخ الرابط