مــرات ابنـي شغّالة ومرتبها كبيــر كاملة حكايات روماني مكرم
المحتويات
الكبير. وبمجرد أن أُغلق باب الشقة الخارجي، رمى محمود بجسده المنهك على أقرب مقعد، واضعاً رأسه بين كفيه، غارقاً في أفكار متلاطمة تتقاذفه بين ندم خفي على تسرعه، وبين كبرياء أعمى يرفض التراجع.
زلزال الصباح
لم تكن ليلة عادية؛ لم تخرج مروة من غرفتها، ولم يحاول محمود طَرق الباب كرامةً وعناداً. نام على الكنبة في الصالة، واستيقظ في السابعة صباحاً على صوت حركة هادئة لكنها منتظمة في المطبخ. اعتقد للوهلة الأولى أن المياه عادت إلى مجاريها، وأن مروة تقوم بتحضير الإفطار له وللأولاد كما اعتادت كل صباح قبل ذهابها إلى شركتها العالمية.
ارتدى ملابسه ودخل المطبخ، ل يجدها تقف بكامل أناقتها المهنية بدلتها الرسمية الكحلية، وحجابها المنسق بعناية، وحقيبتها الجلدية الفاخرة الموضوعة على الطاولة. كانت تشرب قهوتها بهدوء تام، ملامحها خالية من أي أثر للبخار أو الغضب؛ كانت كلوح ثلج صقيل.
تنحنح محمود محاولاً فرض سلطته مجدداً
صباح الخير.. كويس إنك عقلتي وعرفتي إن اللي حصل امبارح ميتعداش. مجهزتيش الفطار ليه؟ والعيال فين؟
وضعت مروة فنجان القهوة على الطاولة ببطء شديد، نظرت إليه بعينين صافيتين تماماً، وقالت بنبرة هادئة ورخيمة، تخلو من أي انفعال
العيال نايمين، النهاردة الجمعة مفيش مدارس. وبالنسبة للفطار.. فمن أول النهاردة يا محمود، كل واحد فينا يفطر بنفسه، وبالطريقة التي تريحه.
عقد محمود حاجبيه باستنكار
يعني إيه الكلام ده؟ إنتِ لسه مكملة في العناد؟
فتحت مروة حقيبتها، وأخرجت منها ملفاً بلاستيكياً شفافاً، ووضعته أمامه على الطاولة.
ده جرد الحساب اللي وعدتك بيه امبارح. مادام دخلنا في لغة الفلوس، والبيت أولى بقرش، وأمي وأمك.. يبقى نمشي بالأصول والورقة والقلم. اقرأ يا محمود، عشان تعرف مروة التانية
فتح محمود الملف بيدين ترتعشان، ووقعت عيناه على كشوفات حسابية مطبوعة بعناية وتفصيل مرعب. كانت الأوراق تحتوي على تفاصيل المصاريف كافة على مدار السنوات الخمس الماضية.
لغة الأرقام الباردة
قالت مروة وهي تشير بإصبعها إلى السطور
دي حسابات خمس سنين فاتوا يا ابن الأصول. السطر الأول نصيب مروة في إيجار الشقة الفوقانية اللي احنا قاعدين فيها دي، والمنزل أساساً ملك لوالدك الله يرحمه يعني مفيش إيجار مدفوع، لكن أنا كنت بدفع شهرياً ما يعادل قيمتها الإيجارية في المنطقة تحت مسمى مساعدة في مصاريف البيت عشان سيادتك مرتبك في معمل التحاليل يدوب يكفي مصاريفك الشخصية وقسط العربية اللي راكبها.
بلع محمود ريقه بصعوبة، بينما تابعت هي بنفس البرود السام
السطر التاني مصاريف مدرسة الولاد الدولية. أنت بتدفع المصاريف الأساسية بالجنيه، والبدلات والأنشطة والكتب الأجنبية والباص اللي هما برقم وقدره، أنا اللي كنت بدفعهم من فيزا المشتريات بتاعتي. السطر التالت تجديد عفش الصالة والمطبخ والأجهزة الكهربائية اللي أمك بتقعد تتباهى بيها قدام جاراتها وتقول ابني جاب و عمل.. الشاشات، التلاجة ال 24 قدم، غسالة الأطباق.. دي فواتيرها باسمي ومن حسابي البنكي الخاص.
استجمع محمود شتات نفسه وصاح محاولاً المقاطعة
وإيه يعني؟ مش ده بيتك وبيت عيالك؟ إنتِ بتمنّي عليا يا مروة؟
ردت بسرعة وبقسوة وثبات
لأ، مش ب مِّن عليك. أنا كنت بعمل ده بحب ورضا، وبقول جوزي وأبو عيالي وبنشيل بعض. لكن مادام الحب والرضا اتمسحوا امبارح، وبقيت بنظرك ست بتخبي وبتصرف من ورا ظهر جوزها ومرتب الموظفة الكبيرة في الشركة الإنترناشونال بقى مطمع.. يبقى نرجع للحقوق الشرعية والقانونية. من بكرة الصبح، حساب البنك بتاعي اتقفل تماماً عن البيت
وقفت مروة، وعدلت وضع حقيبتها على كتفها، ثم اقتربت منه خطوة واحدة حتى أصبحت أنفاسها قريبة من وجهه المتصلب
أنا حجزت لأبويا وأمّي العمرة، وطلعوا فعلاً في الفوج اللي هيسافر الأسبوع الجاي، والفلوس اتدفعت بالكامل ومفيش مليم واحد هيرجع. ولو مش عاجبك، وأمك شايفاني حيزبونة.. الباب يفوت جمل يا محمود. أنا أقدر أعيش لوحدي وأصرف على نفسي وعلى عيالي في أحسن مكان في مصر.. لكن أنت؟ وريني هتكفي طلبات بيتك وأمك إزاي بمرتب المعمل من غير قرش مروة.
تركت الورق أمامه، وتحركت بخطوات واثقة نحو الباب الخارجي. وقبل أن تفتح الباب، التفتت إليه وقالت بابتسامة صفراء تشبه تلك التي نقلت بها جارتهم الخبر
صحيح.. قول للحاجة فاطمة إنها لو عايزة تطلع عمرة، تخلي ولادها اللي شقيت في تربيتهم يطلعوها.. مش مستنية مرات ابنها الحيزبونة هي اللي تبرها.
أغلقت الباب وراءها بهدوء، تاركةً محمود في حالة من الصدمة والذهول الكامل. نظر إلى الأرقام المدونة في الأوراق؛ المبالغ كانت ضخمة، والالتزامات التي كانت تتحملها مروة بدلاً عنه تفوق طاقته وقدرته المالية بمراحل. شعر فجأة بأن الجدران تضيق عليه، وأن السقف يوشك أن يسقط فوق رأسه.
حرب الأعصاب والشقق المغلقة
لم تكن تهديدات مروة مجرد كلمات جوفاء لتهدئة غضبها، بل كانت خطة مدروسة بدأت بتنفيذها فوراً. طوال الأسبوع التالي، تحولت الشقة إلى ساحة لحرب أعصاب باردة. توقفت مروة عن شراء أي مستلزمات للمنزل؛ كانت تأتي بالطعام والفاكهة والحلويات لأولادها فقط، وتدخل غرفتها معهم لتذاكر لهم
نزلت الحاجة فاطمة في اليوم الثالث، ووجدته يجلس في الصالة وعلامات الهموم ترتسم بوضوح على وجهه، فسألته بفضول مشوب بالشماتة
جرى إيه يا محمود؟ الهانم لسه لافّة رقبتها ومش عايزة تطبخ وتغسل وتعرف أصولها؟
زفر محمود بضيق وقال بنبرة حادة لم تعتدها أمه منه
أصول إيه يا أمي بس! مروة رفعت إيدها عن مصاريف البيت كلها. الورق اللي سبتهولي طلع فيه بلاوي. الست كانت شايلة أكتر من تلتين مصاريف العيشة والمدارس والأقساط. أنا مش ملاحق يا أمي! فاتورة الكهربا لوحدها جاتلي الصبح برقم خيالي بسبب التكييفات، ومصاريف باص المدرسة طالبينها كاش الأسبوع ده.
امتقع وجه الحاجة فاطمة، لكن كبرياءها منعها من التراجع فقالت بحدة
تلاقيك أنت اللي مكبر الموضوع ومخوف نفسك! ست إيه اللي تشيل بيت؟ دي بتلوّي دراعك بالقرشين اللي بتاخدهم من الأجانب عشان تكسر كلمتك وتخوفك! اجمد كده ونشف عضمك، وقولها البيت بيتي والكلمة كلمتي، والفلوس اللي بتدخلي بيها البيت دي فرض عليكي مادام قاعدة في عصمتك!
هز محمود رأسه بيأس
فرض إيه يا أمي؟ سألت صاحبي المحامي قالي شرعاً وقانوناً ملهاش مجبرة تصرف مليم واحد من مالها الخاص على البيت مادمت أنا قادر على العمل، والفلوس دي حقها بالكامل تصرفها على أهلها أو ترميها في البحر.. إحنا اللي استعجلنا وفتحنا سيرة الفلوس، والظاهر إننا جنينا على نفسنا.
المشهد في المطار
جاء يوم سفر والد ووالدة مروة. كانت مروة قد حجزت لهما سيارة خاصة تنقلهما من منزلهما إلى مطار القاهرة الدولي مباشرة. ولم تخبر محمود بأي تفاصيل، بل اتفقت مع شقيقها ليكون في وداعهما.
في صباح ذلك اليوم، ارتدت مروة فستاناً
متابعة القراءة