سر ولاء كاملة بقلم مني السيد
الحاجة آمال نزلت من الميكروباص ورجليها بتخبط في بعض، كانت ضامة روشتة التأمين الصحي على صدرها كأنها بتداري قلبها اللي كان بيوجعها من الضهر. الدكتور في الطوارئ قالها إن دي ذبحة صدرية ولازم راحة تامة، بس هي كان كل اللي في بالها ترجع أوضتها، تبلع الحباية وتفرد ضهرها. بقلم مني السيد
أول ما دخلت الحارة، الدنيا لفت بيها.. شافت بطاطينها مترمية في الطينة، وطرحتها فوق جردل مقلوب، وصورة المرحوم جوزها مكسورة ميت حتة على الرصيف. وعلى باب شقتها، لقت قفل جديد، وواقف قدامه ابنها سيد.
آمال فكرت نفسها غلطت في البيت.. بصت يمين وشمال.. لا، هي دي الحارة.
هو ده الحيط اللي قشرته وقعت.. هو ده اللمبة المحروقة.. هي دي قصرية الزرع اللي كانت بتسقيها بمية غسيل المواعين.
ده بيتها.. اللي بنته طوبة طوبة من جمعيات الستات، ومن شقاها في بيع القرص في السوق، ومن سنين دعك البلاط لحد ما صوابعها اتلوت.
عملت إيه يا سيد؟.. سألت بصوت ناشف زي الحطب.
سيد حتى ما فكرش يشيل
اللي كان لازم يتعمل يا أما.
هكذا.. لا خجل، ولا ركسة حياء.. كأن الست اللي قدامه دي مش هي اللي شالته لوحدها لما أبوه سابهم وجرى ورا واحدة تانية. متوفرة علي روايات و اقتباسات
من وراه خرجت منى مراته، بقميص نوم وشعر مكوي وشفايف مرسومة، وفي إيدها فيزا المعاش.. فيزا الحاجة آمال.
العجوزة حست بوجع في بطنها كأن حد غرز سكين.. دي لسه قابضة معاش كرامة اللي زاد في ٢٠٢٦ وبقى يسند في الأيام الصعبة دي.
هاتي الفيزا دي.. قالتها وهي بتقدم خطوة.
منى ضحكت بلسانها
بلاش فضايح يا حمايا، الجيران بتتفرج.
وفعلاً، الكل كان بيتفرج.
الست نبوية بتكنس قدام بابها وهي بتبص بطرف عينها.. وعم عبده بتاع البقالة بيعيد رص الصناديق وهو ودنه معاهم.. الحارة ريحة الوجع فيها بتفوح بسرعة، بس مفيش حد بيتحرك يدافع.
آمال حاولت تزق الباب، سيد سد الطريق بجسمه
خلاص، مفيش دخول هنا.
يعني إيه؟ ده بيتي!
سيد وطى صوته، بس الكلام كان طالع منه سم
كان بيتك.
الكلمة
فهمت دلوقتي ليه سيد كان بقاله شهور بيخليها تبصم.. عشان ننظم الورق يا أما، عشان إجراءات المستشفى، عشان نحمي البيت لو جرالك حاجة. وهي، بقلب الأم اللي بيصدق عيالها، ومن غير نضارة ولا علّام.. بصمت.
بصمتني على إيه يا سيد؟
سيد بص في الأرض.. بس منى ردت بداله
على اللي يضمن حقنا.. أصلاً إنتي مكنتيش قادرة تقومي بنفسك.
آمال حست بغثيان.. طول عمرها قادرة لوحدها.
قادرة لما شالت الطوب مع جوزها عشان يصبوا سقف الأوضة.. وقادرة لما مات وساب لها ديون تهد جبال.. وقادرة لما سيد شرب وضيع فلوسه ورجع لها يعيط ويحلف إنه هيتوب.. وقادرة لما وافقت تسكنه معاها هو ومراته عشان كانت حامل متوفرة علي روايات و اقتباسات
الحمل نزل.. بس سيد ومراته مانزلوش. ودلوقتي بيرموها رمية الكلاب.
آمال وطت تلم حاجتها من الأرض.. لقت في شنطة سودة جلابيتين، وسبحتها، وروشتة الدكتور، وعلبة دواء فاضية.. القلب اتقبض بجد المرة دي.
فين دوايا؟
مانعرفش.. منى ردت ببرود،
كدب.. آمال عارفة هي شايلاه فين.. في درج الكومودينو، جنب علبة الخياطة اللي كانت مدارية تحت الخيوط فيها ظرف ماحدش يعرف عنه حاجة.. غير ولاء حفيدتها.
فين ولاء؟
سيد اتوتر مش هنا.
راحت فين؟
عند صاحبتها.
كدبة تانية.. ولاء مابتسيبش جدتها أبداً. خصوصاً بعد ليلة امبارح لما البنت دخلت لجدتها تعيط وتقولها إنها سمعت أبوها ومنى بيتكلموا عن شهادة وفاة قديمة واسم ست لازم يختفي.
آمال رفعت راسها بقوة عايزة أشوف ولاء.
سيد رد بغل أنا أبوها، ومفيش رؤية.
الخوف مكنش بس من الفلوس ولا البيت.. كان فيه سر خايفين يطلّعوه.
وفجأة.. من جوه البيت، انسمع صوت خبط مكتوم.. خبط رجلين بترفص في باب خشب.
آمال حبست نفسها ولاء؟
منى قربت منها امشي يا ست إنتي بقى.
بس آمال مكنتش سامعاها.. لأن في اللحظة دي، من تحت عقب الباب، اتزقت ورقة صغيرة مطبقة بسرعة.
آمال وطت بضهرها المحني وخدتها بإيد بترعش.. عرفت خط حفيدتها فوراً.
الورقة كان فيها سطر واحد شق قلبها
يا تيتة، ما تقوليهمش إني قولتلك مين