جُحـود كـاملة بقلـم منـي الـسـيد
الساعة كانت تلاتة وسبع دقائق الفجر، لما شخطت جوز بنتي هزت جدران البيت ورجت قلبي من الخوف.
يا ولية يا كركوبة.. ريحتك وريحة قرفك ملت الشقة! هو إنتي مابتعرفيش تستعملي الحمام؟
بقلم مني السيد
وقفت مكاني في الحمام، إيدي لسه على سيفون التواليت اللي كان معلق، وجسمي كله بيترعش من خزي وكسوف مفيش ست في سني المفروض تحس بيه أبدًا.. ولا وهي في بيتها ومطرحها.
أنا عندي تمانية وستين سنة.
قضيت نص عمري بأكل الناس بلقمة هنية.
بنيت مطعمي ب عرق جبيني ومن الصفر بعد ما جوزي الله يرحمه سابني.
دفعت مصاريف جامعة بنتي من وقفتي قدام الفرن من الفجرية.. أعجن وأخبز وأطبخ، لحد ما رجلي كانت بتورم لدرجة إني مكنتش بعرف أنام غير لما أرفعها على مخدات. متوفرة على روايات و اقتباسات أنا اللي بنيت شُغل.
أنا اللي ربيت بنت. أنا اللي دفنت جوزي وسندت نفسي. أنا اللي عديت في أزمات كانت تكسر الجبل وما انكسرتش.
وفي الآخر، وفي الشقة دي بالذاتالمكان اللي كان المفروض يكون أماني وسكنيبيتعاملوا معايا كأني حمل تقيل، كأني كركوبة ريحتها كِبر وعجز.
ليلتها، حاولت بكل قوتي ما أصحيش حد.
معدتي كانت تعباني.. اتسحبت في الطرقة ب اللكلوك بتاعي براحة، مورتش نور، وقفلت باب الحمام ب الهداوة.
المشكلة كانت هي هي.. السيفون بايظ ومكسور.
رأفت جوز بنتي وعدني مية مرة
لما شديد الإيد، الماية مكنتش كفاية.. وبقت الريحة والأثر موجودين، دليل على جسد مبقاش يدي صاحبه إنذار في الوقت المناسب.
وفجأة.. النور ولع.
رأفت كان واقف، عينه منفخة من النوم، ووشه فيه كمية قرف وجعتني أكتر من قلم على وشي.
مسألش إنتي كويسة يا طنط؟
مخدش باله إن السيفون مكسور.
مشافش قدامه ست كبيرة، مكسورة الخاطر وبترتعش.
هو شاف حاجة واحدة بس.. إزعاج عطل نومه متوفرة على روايات و اقتباسات ريحتك ملت الشقة! زعق فيا بكل جحود.
واللي كان ألعن وأصعب من صوته.. إن بنتي لبنى مخرجتش من أوضتها.
لا في الأول، ولا وهو بيزعق، ولا وأنا واقفة حاسة إني أصغر وأقل من أي وقت فات. متوفرة على روايات و اقتباسات
وقفت ساكتة تماماً، إيدي لسه على الإيد المكسورة، ببص للحمام اللي فجأة حسيت إني غريبة فيه.
بعد ما خرج وقفلت الباب.. بدأت أنضف.
الساعة تلاتة ونص الفجر، كنت راكعة على ركبي، معايا كلور وفرشة ومعطر، بمسح السيراميك لحد ما ضهري قصمني وعيني حرقتني من المنظفات.
مش عشان رأفت أمرني.. لأ.
عشان أنا ست نضيفة.. بس النهاردة، أنا ست مُهانة. بقلم مني السيد
لما بصيت في المراية، مشفتش ست عجوزة شعرها منكوش وعينها مدمعة.
أنا شفت الست اللي كنت عليها زمان.
الست اللي شالت بيت وشغل وبنت على كتافها. متوفرة على روايات و اقتباسات
الست
الست اللي كانت بتمضي شيكات، وبتدفع فواتير، وبتدفن حزنها وتقوم تكمل.
وفي اللحظة دي.. حاجة جوايا اتغيرت.
تاني يوم الصبح، عملت القهوة زي كل يوم.
دي أغرب حاجة في الإهانة.. إن العادة بتصحى قبل الكرامة.
رصيت الكبايات، وحمصت العيش، ووقفت في المطبخ والشمس داخلة من الشيش بترسم خطوط على أرضية الشقة اللي في أرقى أحياء مصر الجديدة.
رأفت عدى من قدامي من غير حتى صباح الخير. بقلم مني السيد
صب لنفسه القهوة، خد بؤ، وقال ببرود المرة الجاية اقفلي باب الحمام كويس.. الشقة كان ريحتها زي بيوت المسنين.
بيوت مسنين!
ضغطت على رخامة المطبخ بإيدي لحد ما صوابعي ابيضت.
لبنى بنتي بصتلي أخيراً، بس بصه خاطفة وقالت بمنتهى البرود يا ماما.. هو كان تعبان وراجع من الشغل قرفان، مكنش يقصد.
بس كدة؟
مفيش إنتي كويسة؟
مفيش هو ملوش حق يكلمك كدة؟
مفيش ده بيتك يا أمي؟
مجرد عذر تافه.. لزقة جروح صغيرة على جرح غائر هي مش عايزة تشوفه.
وهنا.. آخر خيط كان رابطني بيهم اتقطع.
آخر وهم بأننا عيلة انتهى.
بصيت حوليا في الشقة، وشفت كل حاجة بجد لأول مرة.
سفرة الأرو اللي بياكلوا عليها..
كنبة الجلد اللي بيتفرد عليها رأفت كل ليلة..متوفرة على روايات و اقتباسات
التلاجة الشيك.. الشاشة السمارت.. الستاير.
كل حاجة في الشقة دي ليها حكاية.
وكل حكاية بتبدأ عندي أنا.
شقايا.. فلوسي.. سنيني اللي ضاعت.
لما بعت بيتي الكبير في أكتوبر وقررت أصفي المطعم عشان أرتاح، اشتريت الشقة دي كاش.
وسجلتها باسمي.. اسمي أنا وبس.
لكن سبت لبنى ورأفت يضحكوا على نفسهم بكذبة مريحة.. إنهم مستضيفيني عندهم عشان ياخدوا بالهم مني.
والحقيقة كانت العكس تماماً.
هم اللي عايشين ببلاش.
هم اللي مابنوش طوبة واحدة.
هم اللي بيصرفوا فلوسهم على اللبس والخروجات والقسط، وأنا اللي بصغر نفسي وبكتم صوتي يوم ورا التاني عشان مابقاش حمل في بيت أنا اللي دافعة تمنه من أول مسمار لحد آخر لمبة.
أول ما قفلوا الباب ونزلوا شغلهم، السكون ملى الشقة.
بس مكنش نفس السكون بتاع كل يوم.
ده كان هدوء ما قبل العاصفة.
دخلت أوضتي، فتحت درج الكومودينو، شيلت السبحة وعلبة دوا الضغط ونضارة القراية.
تحتهم كان فيه دوسيه جلد قديم.
جواه كان عقد الشقة.
اسمي مكتوب فيه بوضوح.. بنضافة.. بقوة القانون.
ملكي.
تحت العقد، لقيت أجندة المطعم القديمة.. اللي شايلاها للذكرى.
فررت الورق لحد ما وصلت لحرف الميم متوفرة على روايات و اقتباسات المقاول.. المنياوي لنقل الموبيلياخدت نفس عميق.
بره في الشارع، الدنيا كانت زحمة والناس بتجري على أكل عيشها.
وجوه الشقة، فيه ست عندها تمانية وستين
مسكت التليفون وطلبت الرقم.
أيوة يا أستاذ