اسكريبـت ذنـب لـم يُغـفر كـاملة بقلـم منـي السـيد
يا مريم، صباح الخير! إنتي متعرفنيش، بس أنا مرات ابن عم والدتك.. اسمي زينات.
قريت الرسالة دي بتاع أربع مرات. كنت قاعدة في المطبخ، وابني عمر في الأوضة بيعمل واجبه، وأنا متنحة في الشاشة ومش فاهمة مين الست دي، والأهم من ده كله.. والدتي مين؟ أنا معنديش أم، مكنش عندي أم طول عمري.
أنا عندي خمسة وتلاتين سنة. اسمي اختارته الممرضة في دار الرعاية، ولقبي اختارته مديرة الدار، واسم الأب اتكتب محمود كدة بالبركة.. أنا بنت سيستم. بقلم مني السيد
تمنتاشر سنة عشتهم بين سراير الميري، وفوط مشتركة، وطوابير حمام ل١٢ بنت. بعدها اتخرجت من معهد فني خياطة، والدولة استلمتني شقة أوضة وصالة في أطراف القاهرة خمسين متر واشتغلت في مصنع ملابس.
عايشة من السبت للخميس، والحمد لله مستورة أنا وابني. سقف مدارينا، لقمة بتاكلنا، وعمر صحته كويسة.. أعوز إيه تاني من الدنيا؟
وفجأة تطلعلي مرات ابن عم والدتي! الرسالة كانت طويلة وعريضة، ومن غير ولا علامة ترقيم، وكلها حروف ملزقة في بعض. زينات بتقول إن كريمة زمان قدمت طلب للوزارة عشان تتبع أثري، وهما اللي أدوها بياناتي.
والست زينات دي قعدت تدور ورايا على السوشيال ميديا لحد ما جابتني.
المختصر كان كالتالي الست اللي شافتني ساعة ما اتولدت
وبما إن الهانم عندها شقة اللي هي أنا، فالمفروض بقى آخد ماما وأخويا الصغير عندي!
قريت آخر سطر إنتي أكيد مش هتتخلي عن أمك يا مريم.. دي مهما كان اللي أهدتك الحياة.
أهدتني الحياة.. أنا الهدية اللي خدتها كان لقب المنشاوي عشان الممرضة كان ده اسم عيلتها فاستسهلت. أهدتني تمنتاشر سنة مفيش بني آدم جالي فيهم بكيس كراميل في العيد. دي الهدية اللي خدتها منها.
رديت عليها بكلمتين ناشفين، وعملت لها بلوك، وقمت أشوف عمر عمل إيه في الواجب.
كان كاتب كلمة شجرة بالسين.. صححتها له وحاولت أهدى. بس بعدها الرسايل بدأت تمطر عليا من حسابات تانية.. كله نفس النغمة يا معندكيش دم، بترمِي أمك؟.
بعد شوية عرفت إن كريمة دي مابتشتغلش بقالها سبع سنين، والراجل اللي كانت عايشة معاه طردها من شقة في بنها، وبقت هي وابنها ياسين بيباتوا عند طوب الأرض.
فضلت أعمل بلوك لكل حساب يظهر لي، وقفلت صفحتي خالص.. كنت حاسة بنار في إيدي من كتر التوتر.
خمسة وتلاتين سنة مكنتش موجودة في قاموسها، ودلوقتي بقيت بنتها وحبيبتها؟
يوم الخميس وقت الغدا، التليفون رن.. رقم
أيوة؟ بقلم مني السيد
مريم؟ أنا كريمة.. أمك. الصوت كان واطي وفيه بحة تعب.
وقفت مكاني واللقمة في إيدي. بصيت لنقطة صوص وقعت على صباعي وسكتّ. أمي.. الكلمة دي عمري ما نطقتها لبشر في حياتي.
زينات قالت لي إنك مش عايزة تتكلمي.. بس أنا حالي يصعب على الكافر، مش لاقية مكان يلمني، والواد هياخدوه مني. إنتي أكتر واحدة عارفة يعني إيه ملجأ، إنتي جربتي النار دي. استضيفينا بس شهرين لحد ما أشوف لي شغلانة.. أنا وياسين غلابة، والله هطبخ لك وهشيل البيت شيل!
رديت عليها بكل برود
أنا ساكنة في أوضة وصالة.. خمسين متر. عايشة أنا وابني بالعافية. مفيش مكان لحد عندنا.
يا مريم لو حتى هننام على البلاط! مفيش حتة تانية نروحها.. أنا اللي أديتك عمرك..
إنتي رميتيني في اليوم اللي اتولدت فيه. أنا حتى اسمي إنتي مسميتيهوش.
سمعت شهقة عياط في التليفون.. معرفش حقيقية ولا تمثيل.
كنت عيلة صغيرة.. تمنتاشر سنة. كنت هبلة وخفت مقدرش أشيل شيلتك. ندمت يا بنتي ندم عمري..
ندمتي بعد خمسة وتلاتين سنة؟ متتصليش هنا تاني.
قفلت السكة. إيدي حتى متهزتش. رجعت المكنة وكملت خياطة الصدرية اللي في إيدي بكل هدوء لحد ما الوردية خلصت.
يوم
كريمة كانت واقفة جنب البوابة.. ست ضئيلة، لابسة عباية بيج قديمة ومهرية. وشها غريب عني تماماً. أول ما شافتني جريت عليا ومعاها شنطة سوداء تقيلة
مريم! استني يا بنتي.. جبت لك شوية تفاح معايا. وياسين رسم لك رسمة، ده فرح قوي إن ليه أخت كبيرة!
خبيت ابني ورا ضهري بحركة لا إرادية.. الواحد لازم يحمي اللي يخصه.
إنتي عايزة إيه؟ أنا معنديش أم. اتفضلي من هنا.
خدت الواد ولفيت وشي ومشيت من غير ما أبص ورايا.
صوتها كان بيترمي في ضهري ده أنا جاية مواصلات وسفر ساعتين يا مريم!. بقلم مني السيد
ساعتين؟
طب ليه مجتش الساعتين دول من خمسة وتلاتين سنة؟ في أي يوم.. في السبوع بتاعي، في يوم تخرجي، في أي عيد..
بعد كام يوم، لقطتنا قدام المدرسة.. كنت لسه بستلم عمر من البوابة.
عمر حبيبي! سمعت الصوت ده.
بصيت ناحية السور، لقيت كريمة واقفة، وجنبها ولد نحيف ولابس جاكيت أكبر من مقاسه بكتير.. ياسين.
بقلم مني السيد
ياسين.. تعالي يا حبيبي هنا، دي تيتة قالتها كريمة وهي بتبتسم وعينيها محمرة من العياط.
أنا ساعتها دمي غلي في عروقي، وبقيت واقفة حيطة سد بينها وبين ابني عمر.
إياكي تقربي من ابني!
الولدين فضلوا باصين لبعض في صمت،