ضيـفة على غفلة كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

لما بنتي جابت زميلة هادية وجعانة معاها للبيت عشان تتعشى، كنت فاكرة إني مجرد بزود كمية الأكل في الحلة وخلاص. لكن في ليلة، فيه حاجة وقعت من شنطتها خلتني أشوف الحقيقة.. وخلتني أعيد حساباتي في معنى كلمة كفاية بالنسبة لعيلتي وبالنسبة لي أنا شخصياً بقلم مني السيد 
كنت دايماً مصدقة إن الواحد لو تعب واشتغل بضمير، كلمة كفاية دي هتيجي لوحدها.. أكل كفاية، دفا كفاية، وحب أكتر من الكفاية.
لكن في بيتنا، كفاية كانت كلمة بتخانق معاها كل يوم في السوبر ماركت، ومع فواتير الكهرباء، وجوه دماغي أنا كمان.
حسب خطتي، يوم الثلاثاء يعني يوم الرز بلسان العصفور مع طبق خضار وشوية أجنحة فراخ متبلة، أحاول أوزعهم على الكل. متوفرة على روايات و اقتباسات وأنا بقطع البصل، كنت بحسب في دماغي الأكل اللي هيتبقى للغدا بكرة، وبفكر إيه الفاتورة اللي ممكن تتأجل أسبوع كمان.
دخل هشام جوزي من باب الشقة، إيده خشنة من التعب ووشه باين عليه الإرهاق.
العشا هيجهز إمتى يا حبيبتي؟ ورمى مفاتيحه في الطبق اللي جنب الباب.
قلت له وأنا لسه بكمل حساباتي عشر دقايق بالظبط.
كنت عاملة حسابي على تلات أطباق، ويمكن يتبقى نايب صغير للغدا بكرة.
بص في الساعة وقال وهو مكسر عينيه سما خلصت مذاكرة؟
مسمعتش صوتها، غالباً قاعدة بتصيح من الجبر.
ضحك وقال أو قاعدة على التيك توك.
كنت لسه هنده عليهم عشان يجهزوا السفرة، لما سما دخلت فجأة ووراها بنت أول مرة أشوفها.

البنت كانت لمة شعرها ديل حصان منكوش شوية، ولابسة سويت شيرت واسع جداً مغطي إيديها رغم إن الجو كان حر.
سما مقالتش أي مقدمات ماما، ليلى هتتعشى معانا.
قالتها كأن الموضوع مفيهوش نقاش.
بربشت بعيني والسكينة لسه في إيدي. هشام بص لي وبص للبنت ورجع بص لي تاني متوفرة على روايات و اقتباسات
البنت كانت باصة في الأرض. الكوتشي بتاعها كان متقطع، وإيدها كانت ماسكة جامد في دراعات شنطة ظهر قديمة لونها باهت. كنت شايفة عضم جسمها باين من تحت هدومها.. كان باين عليها إنها عايزة الأرض تنشق وتبلعها من الكسوف.
حاولت أخلي صوتي فيه ترحيب بس طلع مهزوز أهلاً يا حبيبتي.. نورتينا. هاتي طبق وتعالي.
ترددت وهي بتقول بصوت يادوب مسموع شكراً يا طنط.
قعدت أراقبها وهي بتاكل.. مكنتش بتاكل عادي، كانت بتوزع الأكل بحساب. معلقة رز، حتة فراخ صغيرة، قطعة خضار. كانت بتتخض مع كل رنة شوكة أو حركة كرسي، كأنها عصفور خايف يطير.
هشام حاول يلطف الجو وقال منورة يا ليلى.. أنتي مع سما في المدرسة من زمان؟
هزت كتافها وهي لسه باصة لتحت من السنة اللي فاتت.
سما تدخلت بسرعة إحنا مع بعض في حصة الألعاب، ليلى هي الوحيدة اللي بتقدر تجري من غير ما تنهج ولا تشتكي.
ليلى ابتسمت ابتسامة باهتة جداً. مدت إيدها تمسك كوباية المية وإيدها كانت بتترعش. شربت الكوباية كلها، وملتها تاني وشربتها في نفس النفس.
بصيت لسما.. وشها كان محمر، وبتبص لي بحدة كأنها بتقول لي
إياكي تقولي حاجة.
بصيت للأكل، وبعدين للبنات. عملت الحسبة في دماغي تاني.. رز أكتر، فراخ أقل.. إن شاء الله محدش هياخد باله.
العشا عدا في هدوء. هشام حاول يفتح كلام ها، أخبار الجبر إيه معاكم؟
سما قلبت عينيها بملل يا بابا، مفيش حد بيحب الجبر، ومحدش بيتكلم عن الجبر على السفرة!
ليلى ردت بصوت هادي أنا بحبه.. بحب الترتيب والنظام اللي فيه.
سما ضحكت وقالت أهي دي بقى الوحيدة في الفصل كله اللي بتقول كدة. متوفرة على روايات و اقتباسات
هشام ضحك ده أنا كنت محتاجك الشهر اللي فات وأنا بحسب مصاريف البيت، سما كانت هتودينا في داهية.
يا بابا بقى! سما قالتها وهي بتضحك.
بعد العشا، ليلى كانت واقفة جنب الحوض مش عارفة تعمل إيه. سما راحت لها وادتها موزة نسيتي التحلية يا ليلى.
ليلى استغربت بجد؟ متأكدة؟
سما ضغطت على إيدها دي قوانين البيت هنا، محدش يمشي وهو جعان.. اسألي ماما.
ليلى مسكت الموزة وضمت الشنطة لصدفها أكتر وهي بتقول بهمس شكراً.. كأنها مش مصدقة إن ده حقها.
وقفت عند الباب بتبص وراتها، هشام قال لها تنورينا في أي وقت يا بنتي.
وشها احمر وقالت ماشي.. لو مكنتش بضايقكم.
هشام رد أبداً، المكان واللقمة دايماً بيكفوا.
أول ما الباب
اتقفل، صوتي بقى حاد سما، مينفعش تجيبي حد فجأة كدة، إحنا يادوب ممشيين حالنا بالعافية.
سما متحركتش من مكانها مأكلتش طول اليوم يا ماما.. كنتي عايزاني أعمل إيه؟
بصيت لها بضيق ده مش مبر
كانت
هيغمى عليها يا ماما! سما صرخت فيا بوجع. باباها شغال ليل نهار ومش ملاحق، والنور اتقطع عندهم الأسبوع اللي فات عشان الفواتير. إحنا مش أغنيا، بس الحمد لله بناكل.
هشام حط إيده على كتف سما أنتي بتتكلمي جد يا سما؟
هزت رأسها بدموع الموضوع صعب يا بابا.. النهاردة وقعت من طولها في الملعب. المدرسين قالوا لها لازم تاكلي كويس، بس هي مابتاكلش غير وجبة المدرسة.. وساعات لاء.
غضبي انطفأ تماماً. قعدت على الكرسي وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. أنا.. أنا كنت شايلة هم الأكل هيكفي ولا لاء.. وهي بتحاول بس تعيش اليوم.. أنا آسفة يا سما، مكنش قصدي أزعق.
سما بصت لي وقالت بلهجة فيها رجاء أنا قلت لها تيجي بكرة كمان.
اتنهدت براحة وقلت ماشي.. خليها تيجي.
تاني يوم، زودت كمية المكرونة، وكنت مهتمة جداً بالتتبيلة. ليلى رجعت، وكانت حاضنة شنطتها طول الوقت. كلت طبقها كله، وبعدين مسحت مكانها بالراحة.
هشام سألها أنتي كويسة يا ليلى؟
هزت رأسها من غير ما تبص له.
يوم الجمعة، كانت ليلى بقت جزء من يومنا.. مذاكرة، عشا، مع السلامة. كانت بتغسل المواعين مع سما وهي بتدندن بصوت واطي. وفي ليلة، غلبها النوم وهي قاعدة على الرخامة، ولما فاقت قعدت تتأسف مية مرة.
هشام مسك دراعي وقال بوشوشة مش لازم نكلم حد يساعدها؟ البنت محتاجة مساعدة بجد.
قلت له بهمس ونقول إيه؟ إن أبوها بيعافر وهي تعبانة؟ أنا مش عارفة أبدأ منين يا هشام، خلينا نعمل اللي نقدر عليه
دلوقتي.
هز رأسه بحزن البنت شكلها شايلة جبل فوق كتافها.

تم نسخ الرابط