وداع أمـي الأخـير كـاملة بقلـم منـي السـيد
ولا أم.
ولا حتى إنسانة.
أنا كنت بس…
واحدة بتطبخ.
واحدة بتغسل هدوم.
واحدة بتروح تجيب طفل من الحضانة.
خدت نفس عميق.
إيديا بطلت ترجف.
طلعت الموبايل مرة تانية.
فتحت تطبيق الحجز…
ودورت على أول أتوبيس مسافر الصعيد – سوهاج.
ما كانش مهم حد ييجي معايا.
المرة دي…
أنا هرجع لوحدي.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن لما أوصل البيت وأجهز السفر…
هكتشف إن حد في البيت
كان أخد قرار بدالي.
وقفت قدام الباب، وقلبي بيخبط بسرعة.
ابني كريم واقف قدامي، متوفرة على روايات و اقتباسات سايبني مفيش أي مساحة أتحرك فيها.
عينيه مليانة جدية… محدش في البيت كان شافه قبل كده كده.
—ماما… —قال ببطء شديد— لو خرجت من الباب ده…
وقف لحظة… وبعدين زوّد الضغط:
—ما ترجعيش هنا تاني.
حسيت إن الدنيا وقفت حواليّ… قلبي وقع في بطني.
جوزي عبدالله كان قاعد على الكنبة، شايف الموقف وكأنه فيلم ما يخصوش.
وحفيدي آدم واقف جنب الكنبة، ماسك إيدي عبدالله، وبيبصلي بعينين حزينتين.
حاولت أتكلم… متوفرة على روايات و اقتباسات لكن الصوت اختفى.
المسافة بيني وبين باب البيت بقت كأنها جبل.
—كريم… —همست— أنا بس عايزة أشوف أمي…
مش أكتر.
ابتسمش.
نظرته جافة، جامدة.
—ماما… أمك ماتت. خلاص.
إنتي مش هترجعي تاني.
حسيت إن قلبي بيتكسر لملايين قطع.
لكن حاجة جوايا قالتلي… مفيش رجوع دلوقتي.
خدت نفس عميق، وجسمي اتحرك ببطء ناحية الغرفة.
فتحت الدولاب… قلبت كل حاجة… مفيش تذكرة، مفيش أوراق، مفيش حتى رصيد
حسيت إيدي بتترعش… لكن كان لازم أتحرك.
في اللحظة دي، بصيت ناحية المطبخ… وريحة أمي القديمة فاجأتني.
ريحة الأكل اللي كانت دايمًا تعمله، اللي كنت بحسها مريحة قلبي من وأنا صغيرة.
—ماما… —همست ودموعي نزلت— أنا جاية… مهما حصل.
جوزي رفع رموشه، وقال:
—بتلعبي لعبة كبيرة قوي، يا فاطمة.
ما تعرفيش إيه اللي بيستناك بره؟
ما جاوبتهش.
حملت شنطتي، عينيا على الموبايل…
حسيت إن كل ثانية بتتاخر في رحلتي… هتكون ضياع وقت ممكن أندم عليه طول حياتي.
وفجأة… الباب اتفتح تاني.
كريم تحرك خطوة لقدامي.
—ماما… —قال بصوت هادي— لو خرجتي… أنا همنعك.
وقفت مش قادرة أصدق…
ابني، الولد اللي ربّيته طول عمره… دلوقتي عاملني غريبة عن بيته.
لكن حاجة في جوة قلبي قالتلي…
لازم أرجع، مهما كلّف.
طلعت الموبايل وفتحت تطبيق الحجز على طول.
القطار متجه لسوهاج… الرحلة هتاخد كام ساعة… مش مهم.
المهم إني أشوف أمي… آخرتها… آخر مرة.
وفي اللحظة دي، نظرة جوزي قالتلي كل حاجة:
هم واخدين القرار بدالي… لكن أنا مش هسكت.
وخطوة واحدة قدام… خطوة واحدة بس… هتكسر كل القيود.
هكون قوية… وهشوف أمي، مهما حصل.
خدت نفس عميق، وحسيت دموعي بتنزل من غير ما أحاول أوقفها.
أنا جاية أشوف أمي… آخر مرة… ومش هسمح لأي حد يمنعني.
مشيت ناحية باب البيت، وقلبي بينبض بسرعة.
كريم وقف قدامي، عيونه مليانة دموع لكنه مصمم…
—ماما… لو خرجتي… —قال— هتخسرينا كلنا…
لكن أنا كنت حاسة بحاجة
—كريم… —قلت وأنا بضم شنطتي— أنا جاية لأمي… آخر مرة…
مش هقدر أعيش لو ما شفتهاش.
عبدالله قعد ساكت، بيتفرج عليّ.
بس لما شاف إصراري… اتنهد وقال:
—تمام… اعملي اللي ناوية عليه… بس ارجعي لي البيت بعد الرحلة.
حسيت بخفة شديدة… ده كان أكتر من اللي كنت متوقعة.
بس قلبي فضّل مضطرب… مين يقدر يعرف إيه اللي ممكن يحصل هناك؟
ركبت العربية بسرعة، وحفيدي آدم ماسك إيدي… عيونه صغيرة لكنها شايفة كل حاجة.
بقلم مني السيد
همستله:
—آدم… هاجيلك بعد ما أشوف جدتك، أوكي؟
هو بص ليّ وقال:
—تمام… بس ماتتأخريش.
الطريق كان طويل، الشمس نازلة والدنيا حارة…
لكن أنا مسكت الدركسيون، وقلبي كله عند أمي.
وصلت المحطة، وحسيت كل ثانية بتجري…
اشتريت التذكرة وركبت القطار، وبدأت الرحلة لسوهاج.
وأخيرًا… بعد ساعات، وصلت.
نزلت من القطار، والهواء الدافيء لمس وجهي… رائحة الريف القديمة رجعتلي ذكريات طفولتي.
المكان كله ساكت… بس قلبي كان بيرن من القلق.
وصلت البيت… الباب كان شبه مفتوح.
أول خطوة دخلت بيتي، حسيت بمزيج من الحزن والغضب…
لكن الحاجة اللي شفتها قدامي فجرت كل مشاعري.
أمي كانت جوا بيتها… مغطاة ببطانية، ساكتة… وابتسامة هادية على وشها.
مكنتش شايفة أي ألم… بس قلبي حس بالفقدان.
وقفت جنبها، ماسكة إيديها الضعيفة، ودموعي نزلت بغزارة.
همست:
—يا ماما… أنا جيت… أنا هنا…
مش مهم مين حاول يمنعني… أنا وصلت.
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة كبيرة…
حتى
القلب اللي بيحب… دايمًا بيلقى الطريق.
ركبت القطار من القاهرة لسوهاج… وكل ثانية كانت بتعدي قلبي بينقبض أكتر.
كنت عارفة إن أمي ماتت… لكن كنت محتاجة أشوفها، أودعها… آخرتها آخر مرة.
لما وصلت، وقفت قدام بيت العائلة، خدّت نفسي بعمق، ودخلت…
المكان ساكت… البيت كله مليان هدوء غريب.
وشفتها… مرمية في التابوت، ساكتة… وفي عينها ابتسامة هادية كأنها بتقوللي: "ما تقلقيش عليّ".
مسكت إيديها الصغيرة… لمستها للمرة الأخيرة… ودموعي نزلت بغزارة.
همست:
—ماما… أنا جاية… أنا هنا… وهدفي إني أحتفظ بذكرك طول حياتي.
وقفت جنبها فترة طويلة… قلبي مليان وجع…
لكن مع كل دمعة حسيت بقوة جديدة جوايا.
قوة قالتلي… حياتي لازم تستمر… حتى لو كل اللي حواليّ ضدّي.
رجعت للشارع… ولقيت نفسي ساكنة في بلد أمي… سوهاج.
مش محتاجة ترجّع البيت اللي عمرها ما كان بيتها… متوفرة على روايات و اقتباسات بيت جوزي اللي منعني أودع أمي.
قررت أبدأ حياتي من جديد… بعيدة عن قيوده ورفضه… وعشان أقدر أعيش ذكريات أمي بحرية.
أيام صعبة مرت… لكن كل يوم كنت بحس إن قلبي بيتهدّى أكتر… وإن أمي معايا بروحها…
اتعلمت إن الحب الحقيقي مش بس في العيش مع ناس…
الحب الحقيقي هو الوفاء، حتى بعد الموت، هو الشجاعة إن تاخد القرار اللي يريح قلبك ويحقق احترامك لنفسك.
وفاطمة فضلت في سوهاج… مع ذكريات أمي… مع حفيدها آدم اللي كان معاها…
وعرفت إن مهما ضاعت حاجات
النهاية بقـلم منـي السـيد