استغـلال العـائلة فـي البيـت السـاحل بقـلم منـي السـيد
الرسالة نزلت عليا كأن حد حدف في وشي جردل مية تلج، وفضلت مبرقة مش فاهمة جسمي بيترعش ليه. كنت لسه ببالطو المستشفى، لمّة شعري بتوكة خلاص بتلف أنفاسها الأخيرة، وتعبانة تعب مبيتحلش بالنوم.. التعب اللي بيدخل في العضم لما تقضي يومك كله شايلة أرواح ناس بين إيديكي.
كنت واقفة في المطبخ، ضوء اللمبة الفلورسنت ضارب في نني عيني، وبصيت لكوباية القهوة اللي بردت وبقت زي المية المرّة. "أروى" كانت نايمة على الكنبة، حاضنة التابلت بتاعها كأنها بتستقوي بيه. عندها 11 سنة، ولسه محتفظة بالحاجة اللي ضاعت مني أنا: "دهشة الصحيان من النوم".
فجأة، نور شاشة الموبايل برسالة من أختي "كريمة"، بالبجاحة اللي مبيملكهاش غير الناس اللي فاكرة إن العالم ده أوضة وصالة ملكهم:
"أنا خلاص رتبت لمتنا في بيتك اللي في الساحل. 52 فرد. 3 ليالي. اللحمة والطلبات هتوصل الجمعة، وأنتِ بس عليكي تملي التلاجة على الآخر."
لا "إزيك"؟ لا "ينفع"؟ ولا حتى فصلة واحدة تقول فيها "لو سمحتِ". كانت صيغة أمر، حاف كدة، كأن جود كرمي ده عقد ممضي من يوم ما اتولدت ومفروض عليا التنفيد.
فضلت باصة للرسالة لحد ما الموبايل طفى. لمسته فنور تاني، كأن الجهاز هو كمان واخد على إنه
كتبت كلمة واحدة بس:
"لأ."
النقاط بتاعة "جاري الكتابة..." ظهرت، واختفت، ورجعت تاني. "كريمة" طول عمرها غاوية لعب بالأعصاب، كأنها بتستمتع وهي بتغرز السكينة بالراحة عشان الوجع يحلوّ.
"ههههه.. جرى إيه يا ليلى؟ بلاش شغل عيال. إحنا كدة كدة رايحين. هتعملي إيه يعني؟ هتكلمي أمن القرية زي الستات النكدية؟"
قلبت الموبايل على ضهره كأنه نار بتحرق إيدي.
— "في حاجة يا ماما؟"
صوت "أروى" كان لسه كورة من النعاس.
— "لا يا حبيبتي،" كذبت عليها الكذبة البيضاء اللي الأمهات بيستخدموها عشان سقف البيت ما يقعش على عيالهم، "شوية مشاكل عائلية كدة."
أروى هزت راسها كأنها حافظة الجملة صم. لأن فعلاً، الجملة دي كانت النشيد الوطني لبيتنا: "مشاكل عائلية"، تتقال عشان نداري بيها الظلم، متوفرة على روايات و اقتباسات والوش الوحش، واللي مبيتقالش بصوت عالي.
بقلم مني السيد
أنا ليلى صبري. 41 سنة. جراحة مخ وأعصاب في القصر العيني. اللي بينادوها لما الوقت بيبقى عدو مش مجرد ساعة. ومع ذلك، أنا هي هي اللي بتنهار من جوه كل ما أهلي يعاملوني كأني "مكنة صرف آلي" ماشية على رجلين.
دخل "هشام" جوزي
— "كريمة؟"
مجرد تنهيدة كانت الرد الكافي. في بيتنا، اسم أختي لازم يجي وراه تنهيدة تعب.
أروى مش بنتي من دم هشام، ولا بنتي أنا كمان بالدم. أول مرة شفتها كان عندها 3 سنين، مستخبية ورا رجل هشام في عيد ميلاد، بتبص للناس كأنهم غيلان هياكلوها. مامتها الحقيقية مشيت، كدة، وسابت جرح مبيلمش. أنا اتجوزت هشام وأروى عندها 5 سنين، وتبنيتها رسمي في نفس السنة،متوفرة على روايات و اقتباسات لأن كلمة "بنت مراتي" كانت بتخليها تكش، كأن الكلمة بتقول لها: "أنتِ مؤقتة".
يوم ما وقعت الورق، القاضي ابتسم لي وقال: "مبروك يا دكتورة". كأن الأمومة لقب بناخده مع الشهادات.
أهلي عمرهم ما عرفوا يتعاملوا مع أروى. مكنوش بيضربوها، كان الموضوع "أشيك" من كدة.. كانت القسوة المتغطية في صورة "بنهزر". في العيد، ولاد أخويا "طارق" يلبسوا لبس العيد مطقم، وأروى ييجوا لها بحاجة عادية "أصلنا ملقيناش مقاسها". في الصور، "ينسوا" يندهوا عليها لحد ما الصورة الأولى تتاخد. ومرة، بابا في عيد ميلاده، ماما كانت بتقدم الأحفاد وقالت: "دول ولاد طارق، ودول بتوع كريمة.. ودي أروى."
قالتها كأنها بتوصف قطة يتيمة لقيناها في
استحملت سنين وأنا بقول لنفسي معلش دول أهلي. ساعدت كتير.. سددت ديون بابا، شيلت تمن الأدوية، متوفرة على روايات و اقتباسات سلفت طارق عشان "يقوم بمشروعه" اللي مبيقومش، وساعدت كريمة في مقدم شقتها.
ومن 6 سنين، اشتريت بيت الساحل في سيدي عبد الرحمن. مكنش قصر، بس بالنسبة لعيلتي كان جنة. أول مرة أمي وقفت في البلكونة قالت:
— "ده ملكنا كلنا يا ليلى. مش بتاعك لوحدك. ده بيت العيلة."
دي كانت صفارة الإنذار، بس أنا ابتسمت، كنت لسه فاكرة إن الحب بيتشري بالخدمات. وبدأوا يسموه "بيت العيلة": "احجزيلنا في العيد"، "سيبي المفتاح لهشام يوصلهولنا". كأني موظفة استقبال في أوتيلهم الخاص.
لحد ما من سنتين، حاجة اتكسرت جوايا. كنت رايحة الساحل بعد أسبوع شغل مهد حيلي، وخدت أروى عشان تشم هوا. وصلنا، لقيناهم كلهم هناك! كريمة وولادها، طارق ومراته، متوفرة على روايات و اقتباسات وقرايب من بعيد. دوشة وأغاني وهيصة بفلوسي وتدبيري.
أروى وقفت عند الباب بشنطتها، خايفة تدخل. سألتها: "في إيه يا حبيبتي؟"
قالت بصوت واطي: "قالوا لي إني هنام على الكنبة.. بس ولاد خالة كريمة خدوها."
بصيت لقيت ابن كريمة ممدد بحذاؤه على الكنبة كأنه ملك. كريمة شافتني