بين الحياة والموت ج 2 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

نيفين وتقولها اهدي يا حبيبتي.. ماتوا لما قولت لطارق في التليفون خلّيها تستنى وريهام الأول. فاكر؟ لأ مش ريهام، أصلك كنت مرتبك وقولت اسمها الحقيقي بالغلط، نيفين الأول والغلابة يموتوا. طارق طلع الفلاشة وقدّمها للظابط المكالمة متسجلة يا فندم، ومثبت فيها رفضه إدخال مريضة طوارئ في صدمة نزفية تسببت في استئصال الطحال، وده محضر إثبات حالة وإهمال جسيم مقدم للنقابة وللنيابة.
العقيد أشار للقوة اللي معاه هاتوا الاتنين دول على عربية الترحيلات، وتحفظوا على كل الأجهزة والملفات اللي في المكتب.
نيفين انهارت في العياط والصريخ، وقعدت تشد في هدوم عمار وتضربه في صدره منك لله! ضيعتني معاك! أنت اللي قولتلي هنعمل ملايين والبت الغبية دي مش هتفهم حاجة وهتسيبلك الجمل بما حمل! منك لله يا عمار يا شناوي! وعمار كان واقف مذهول، إيديه الاتنين دخلوا في الكلبشات الحديد ورا ضهره، عينه كانت متعلقة في عيني وهو مش مصدق إن الست الهادية الوديعة اللي كانت بتقف في المطبخ تعمل البشاميل وتدلكله رجليه بعد النبطشية.. هي نفسها اللي قفلت عليه أبواب جهنم بالقانون.
وهما بيجروهم في ممر المستشفى، الممرضين والدكاترة والعمال وقفوا على الجانبين يتفرجوا. الهمسات علت، والتليفونات طلعت تصور، والسقوط كان مدوي ومخزي قدام كل الناس اللي كان بيتعالى عليهم.
بعد تلت شهور.
الهوا كان خريفي ناعم، ريحة البحر كانت مالية الهوا وأنا واقفة في بلكونة شقتي في جليم في إسكندرية، ماسكة ماج شاي بلبن سخن وببص على الأمواج وهي بتتكسر بهدوء على الصخور.
الجرح في بطني خف، ساب مكانه خط خفيف بيفكرني دايما إني أقوى من أي وجع.
التليفون رن، كان شاكر بيه. مبروك يا فيروز، الحكم طلع في جلسة النهاردة من محكمة الجنايات الاقتصادية. خير يا عمي؟ عمار أخد سبع سنين سجن مشدد بتهمة غسيل الأموال، وسنتين بتهمة الإهمال الطبي الجسيم والشروع في القتل بالامتناع مع سحب ترخيص مزاولة المهنة نهائيًا وشطبه من جداول نقابة الأطباء. ونيفين أخدت تلت سنين مع الشغل والنفاذ، وغرامة مالية مشتركة عليهم الاتنين بقيمة ستة مليون جنيه لصالح الدولة، مع مصادرة كل بضاعة شركة الأفق والتحفظ عليها. وشقة التجمع والفلوس اللي اتسحبت؟ الحكم ببطلان عقد البيع نهائيًا وعودة الشقة لملكيتك الخالصة، وال 850 ألف بتوعك نزل حكم بتعويض مدني مؤقت ورجعوا بالفوائد البنكية من الأصول المتحفظ عليها قبل المصادرة. ده غير إن محكمة الأسرة حكمت بطلاقك طلقة بائنة للضرر من شهر فات.
أخدت نَفَس عميق جدا، نَفَس حسيت بيه روحي كلها بتتطهر من كل ذرة قهر أو ظلم عشته. الحمد لله يا شاكر بيه.. الحمد لله إن العدل مبيتأخرش كتير. أنتي اللي شاطرة ومستسلمتيش يا بنتي. بالمناسبة، البنك الدولي اللي كنتي فيه بعتلي إيميل الصبح، هما عرفوا باللي حصل وبالتحقيقات اللي أنتي كشفتيها، والإدارة عارضة عليكي ترجعي تمسكي منصب رئيسة وحدة مكافحة غسيل الأموال والتدقيق المالي بمرتب وبدلات خيالية. قلتي إيه؟
بصيت للبحر الواسع قدامي، وابتسمت ابتسامة صافية، ابتسامة واحدة عرفت قيمتها، ودفعت تمنها غالي، بس رجعت أقوى وأنضف وأكتر شجاعة من أي وقت فات قولت نبدأ بكرة يا عمي.. الحياة مبتستناش حد، وأنا عندي سنين كتير جاية محتاجة أعيشها لنفسي وبس.
قفلت التليفون، رفعت وشي للسما والشمس دفت ملامحي، ومشيت لجوا البيت بخطوات واثقة، خطوة ست عاشت في الضلمة وخرجت منها للنور.. حرة ومرفوعة الراس.

تم نسخ الرابط