اشتريت البيت علي البحـر ج 1 حكـايات مني السيد حصري
بيكفي نص مصاريف البيت. مين اللي شال الإيجار؟ مين اللي كان بيسهر لحد تمانية الصبح عشان عملاء أمريكا وأوروبا يبعتوا بالدولار ونسد الديون؟ طارق؟ ولا أنا؟
وده عيب؟! ده واجبك! ردت فايزة بصوت عالي الواحدة تقف في ضهر جوزها لما يقع، مش تقعد تعايره بفلوسها وشقاها! ده بدل ما تحمدي ربنا إنه سترك وفتحلك بيته؟
ستره؟ بيته؟ إيلين ابتسمت تاني، والمرة دي النبرة كانت أبرد وأقسى الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي إيجار جديد، وأنا اللي دافعة تأمينها، وأنا اللي بدفع إيجارها كل أول شهر من الحساب اللي بتسميه من وراه. طارق مرتبه بيخلص في أول أسبوعين، والباقي بيروح فين؟ بيروح جمعيات لهند عشان تجيب أجهزة، ومصاريف علاج لأبو طارق، وتصليحات لغسالة حضرتك اللي بتخرب كل شهرين مرة!
طارق وشه احمر من الكسوف وبدأ يرفع صوته بتوسل ممزوج بضيق إيلين! بلاش الكلام ده قدام أمي! أنا عمري ما قصرت معاكي في حاجة، وبعدين أهلي دول لحمي ودمي، مش غرب، إنتي بتعملي من الحبة قبة ليه؟ هند دي بنت عمي، زي أختي، وظروفها صعبة وجوزها بقاله ست شهور قاعد من غير شغل.. إيه المشكلة لما تفرح بالعيال أسبوعين في الشاليه؟ البحر هينقص؟ ولا الشاليه هيتاكل؟
بصت إيلين لجوزها بتركيز، كأنها بتشوفه لأول مرة في حياتها. الملامح هي هي، العيون اللي كانت بتحبها، بس الراجل اللي جواه اتبخر، متبقاش منه غير قشرة بتهتز مع كل كلمة بتقولها أمه.
المشكلة مش في البحر يا طارق، إيلين قالتها بصوت هادي وموجع المشكلة إنك كداب. ومبتعرفش تشيل سر. ومبتعرفش تحمي بيتك ولا مراتك. أنا لما حطيت المفتاح في إيدك يوم الجمعة، قولتلك بلاش نطلع السر ده برة.. قولتلي حاضر، سرك في بير. ويدوبك دخلت الحمام، لقيتك مكلم أمك وبايع الأمانة في نص ساعة!
طارق حاول يبرر وهو بيقرب منها أنا فرحت! كنت فرحان وعايز أمي تفرح بيا وبمراتي، إيه الجريمة في كده؟ إنتي دايمًا شايفاني وحش وظالماني!
ردت الحاجة فايزة بصلابة وهي بتقوم تقف وتعدل طرحتها سيبك منها يا طارق، كلامها كله لف ودوران عشان تاكل حقك! البت دي متعلمة وناصحة وبتعرف تلوّي الكلام، بس مش على فايزة! اسمعي هنا يا بت الناس.. بيت ابني مفتوح للكل، واللي يدخل جيبه أو جيبك هو ملك للعيلة دي. طارق مش هيعيش مذلول في شقة إنتي صاحبة الفضل فيها، ولا هيروح يصيف في شاليه محطوط كرم منك عليه! يا الشاليه يتقسم رسمي بالعدل في الشهر العقاري ويبقى ليه فيه زي ما ليكي، يا إما قسماً برب العزة ما هتقعدي له على ذمة دقيقة واحدة، وابني هيطلقك، وخلي بقى الشغل والملايين تنفعك!
طارق اتفاجئ بكلمة الطلاق، اتلخبط وبص لأمه يا أمي طلاق إيه بس؟! استهدي بالله، مش كده!
لكن أمه خبطت بإيدها ع الترابيزة هو كده! يا تبقى راجل في بيتك وليك كلمتك وحقك، يا تسيبها تشوف لها راجل تاني يرضى يعيش في ضلها ويقعد يصقف لشغلها ونجاحها!
إيلين قامت وقفت على حيلها. طولها وثباتها كان مديها هيبة خلت الحاجة فايزة تاخد خطوة تلقائية لورا. بصت إيلين في ساعة الحيطة، وبعدين بصت لعلبة الحلويات اللي على الترابيزة.
مدت إيدها، وفتحت العلبة، وخدت منها قطعة بسبوسة صغيرة، حطتها في بوقها وداقتها بهدوء شديد.
الهدوء ده كان مرعب للاتنين.
مسحت إيلين طرف صوابعها بمنديل ورق، وبصت لحماتها في عينها مباشرة من غير تردد خلصتي كلامك يا حاجة؟ تمام. اسمعي بقى كلامي أنا، عشان أنا مبحبش أعيد كلامي مرتين، وشغلي علمني إن الوقت بفلوس.
سكتت لحظة، ونظراتها اتحولت لطارق اللي كان باصص لها برعب أولاً.. الشاليه ده بتاعي. مدفوع من شقايا وسهري، ومن ورث جدتي اللي بيعته قبل ما أعرفك أصلاً. يعني مفيش فيه مليم واحد دخل من جيب ابنك، ولا حتى حق مسمار في الحيطة. والشهر العقاري مش هيدخله طارق إلا لو كان رايح معايا نجدد عقد إيجار شقتنا دي، غير كده، ملكي يفضل باسمي لحد ما أموت.
شهقت الحاجة فايزة ووشها احتقن بالدم شفت يا طارق؟! شفت طمعها وغدرها؟!
إيلين رفعت إيدها بهدوء قطعت بيه كلام حماتها، وكملت ثانيًا.. هند بنت عمك وبناتها، على عيني وعلى راسي، بس الشاليه مش وكالة من غير بواب. أنا لسه مدخلتش فرشي فيه، لسه مباتش فيه أصحابه، لسه معملتش حتى شاي في مطبخه عشان أدي مفاتيحه لحد يروح يصيف ويبهدل فيه. مفاتيح الشاليه مش هتطلع من شنطتي، لا لهند ولا لغيرها، واللي عايز يصيف يصيف على قد جيبه وظروفه.
إنتي اتجننتي رسمي؟! طارق صرخ فيها، العروق في رقبته نفضت، كأنه بيحاول يثبت لأمه إنه مش ضعيف إنتي بتكلمي أمي كده إزاي؟ وإيه الأنانية دي؟ ده شاليه يعني حتة طوب وحجر، بتبيعي بيهم أهلي وتكسفي كلمتي قدامهم؟
إيلين بصتله ببرود يقشعر له البدن إنت اللي كسفت كلمتك بإيدك يا طارق يوم ما طلعت سر بيتك لأمك عشان تعمل بيا نمرة قدام عيلتك. إنت اللي بعتني عشان تثبتلهم إنك الراجل اللي شاري ومتحكم، وإنت عارف كويس إنك من غير شغلي مكنتش هتعرف تكمل الشهر بمصاريفك.
أنا اللي مش هكمل؟! طارق صوته بقى أعلى وهو بيقرب منها أنا مش شحات عندك! أنا بشتغل وبتعب، والفلوس اللي
بتعمليها دي بفضل البيت اللي أنا فاتحهولك والهدوء اللي مديهولك عشان تشتغلي!
الهدوء؟ إيلين ابتسمت بسخرية الهدوء ده اللي هو إني أصحى تلاتة الفجر عشان المطبخ يفضى من دوشتك ودوشة أهلك اللي طالعين نازلين عندنا؟ تمام يا طارق، النقطة التالتة بقى تخصك إنت وحماتي سوا.
لفت إيلين وشها للحاجة فايزة وقالت كلمة الطلاق اللي لسانك متعود يرميها زي اللبانة في أي خناقة دي، مش بتهددني بيها يا فايزة هانم. أنا ست بشتغل، وعندي فلوسي، ومستورة من قبل ما أعرف ابنك، وبكرة هكون مستورة برضه لو خرجت منه. التهديد ده تخوفي بيه واحدة مكسورة الجناح ملهاش غير قعدة البيت، مش واحدة شايلاك وشايلة ابنك وديونه بقالها سنين.
الحاجة فايزة لفت لطارق وهي بتولول بطريقتها البلدية المعهودة سامع يا طارق؟! بتقلل من قيمتك وقيمتي قدامك! واقف ساكت ليه؟ ما تمد إيدك ولا تكسر رقبتها! البت دي مش باقية على حد، دي شافت نفسها خلاص!
طارق صدره كان بيعلو ويهبط، عينه احمرت، مد إيده ومسك دراع إيلين بقسوة لأول مرة في حياته إنتي هتعتذري لأمي دلوقتي حالاً! وهتجيبي المفاتيح دي تحطيها قدامها برضاكي، وإلا
إيلين بصت لإيده اللي ماسكة دراعها، ونظرتها كانت قاطعة لدرجة خليت صوابعه تفلت غصب عنه وإلا إيه يا طارق؟ هتضربني؟ جرب كده تمد إيدك.. جرب خطوة واحدة زيادة في الغباء، وشوف ساعتها المحضر اللي هيتعملك في القسم بتهمة التعدي، وشوف الشقة دي مين اللي هيدفع إيجارها الشهر الجاي ومين اللي هيشيل قسط عربيتك اللي متسجل باسمي ضامنة ليك!
طارق رجع خطوة لورا، ملامحه اتجمدت من الصدمة، كأنه فجأة فاق على الواقع والحسابات اللي نسيها في لحظة الغضب.
أنا خارجة رايحة أتعشى برة، إيلين خدت شنطتها بهدوء ومسكت أكرت باب الشقة، وقفت وبصت وراها للاتنين اللي واقفين في المطبخ زي الأصنام قدامكم نص ساعة، أرجع ألاقي البيت نضيف وهادي زي ما سبته الصبح. والكلام في موضوع الشاليه اتقفل للأبد.. واللي يفكر يفتحه تاني، هيفتحه في محكمة الأسرة.
فتحت الباب وخرجت، وقفلت وراها من غير ما ترزع، قفلة هادية خلت الرعب يدب في قلب طارق، وبدأت ملامح الندم تبان على وشه أول ما أدرك إن إيلين، الهادية المسالمة اللي كانت بتسهر الليالي عشان ترضيه، شافت الوش التاني، وقررت إنها خلاص.. مش هتوطي راسها تاني. يتبع