الفندق ج 2 حكـايات مني السيد حصري
وبص لدنيا:
«وانتي من اللحظة دي، مفيش ليكي مكان هنا. لمي هدومك وامشي. الحساب بينك وبين ربنا، أما أنا فمش هسمح إن البيت ده يتفتح فيه الكلام ده تاني.»
دنيا وقعت في البكاء:
«يا عمي عشان خاطر أبويا الله يرحمه، متطردنيش.. مليش حد غيركم.»
رد عليها بصرامة:
«كان لازم تفتكري الكلام ده قبل ما تدخلي نفسك في مصيبة بالشكل ده.»
وبإشارة من إيده، خرجت من البيت وسط بكائها وصراخها.
أنا فضلت واقفة مكاني.
لا صرخت، ولا فرحت، ولا حتى حسيت بالشماتة.
كنت حاسة إن عشر سنين من عمري بيتراجعوا قدام عيني في لحظات.
محمود مسك أحمد وطلعه من الأرض. أحمد بصلي آخر مرة.
كانت نظرته مليانة رجاء وندم.
لكن أنا بصيتله بهدوء.
لأول مرة، شوفته غريب.
مش الراجل اللي عشت معاه عشر سنين، ولا أبو ولادي اللي كنت فاكرة إني أعرفه.
مجرد شخص خان ثقتي، وقرر يهدم بيته بإيده.
الحاج إسماعيل قرب مني وقال بصوت مليان احترام:
«حقك عليا يا بنت الأصول. أحمد غلط، والعيلة كلها هتتحمل نتيجة غلطه. عيالك عيالنا، وحقك محفوظ. شقة الهرم هتتسجل باسمك وباسم عيالك، ومحدش هيقدر يضايقك.»
بلعت الغصة اللي في حلقي وقلت:
«تسلم يا عمي. أنا مقدرة وقفتك. بس أنا مش عايزة غير حقي وحق ولادي. لا عايزة صدقة ولا عايزة فضل من حد. أنا عشت عشر سنين وأنا شايلة بيتي على كتفي، والنهارده لازم أشيل نفسي وعيالي بس.»
هز راسه وقال:
«اللي يريحك يا بنتي.»
في اللحظة دي، الحجة فاطمة بدأت تفوق. عينيها دورت عليا، ولما شافتني مدت إيدها ناحيتي وقالت بصوت مكسور:
«نهى.. يا بنتي.. سامحيني يا ضنايا. أنا ما كنتش أعرف إن ابني ممكن يعمل فيكي كده.»
قعدت جنبها ومسكت إيدها بين إيديا.
ولأول مرة من ساعة ما اكتشفت الحقيقة، دموعي نزلت.
بكيت على عشر سنين ضاعوا.
بكيت على التعب اللي اتحط في مكان غلط.
بكيت على ولادي اللي هيفهموا يوم من الأيام إن أبوهم اختار طريق غير الطريق اللي بنيناه سوا.
وبكيت على نهى القديمة.
نهى اللي كانت بتسامح كتير، وتعدي حاجات كتير، وتقول لنفسها إن البيوت لازم تستحمل.
لكن في اللحظة دي فهمت إن البيت اللي بيتبني على الخيانة، مش لازم الواحد يفضل عايش تحت سقفه.
المركب كانت غرقت خلاص.
بس أنا مكنتش ناوية أغرق معاها.
بعد شهرين، كانت كل الإجراءات خلصت.
أحمد أنهى علاقته بدنيا رسميًا، وكل الأوراق الخاصة بالجواز العرفي انتهت، وبعدها كنت أنا واقفة قدام المأذون بخلص إجراءات طلاقي منه.
كان شكله متغير.
خاسس، مرهق، وعينيه مطفية.
حاول يكلمني، وبعت رسايل، ووسط ناس، واتوسل بالعيال.
لكن الباب اللي اتقفل بالخيانة، مفيش كلام يقدر يفتحه تاني.
أما دنيا، فسمعت إنها سابت القاهرة وراحت تعيش مع قريبة ليها في إسكندرية، وبدأت تشتغل في عيادة صغيرة.
العيلة قطعتها، وهي اضطرت تبدأ حياتها من جديد بعيد عن كل اللي كانت تعرفه.
وأنا أخدت يوسف ومريم، ونقلت بيهم لشقة إيجار في منطقة هادية على أطراف الجيزة.
مكنتش عايزة أي حاجة تفكرني بالماضي.
بدأت مشروعي الصغير في الحلويات والمخبوزات من البيت.
في البداية كانت الطلبات قليلة، لكني فضلت مكملة.
طلب ورا طلب، وزبون ورا زبون، لحد ما بقى ليا اسمي وزبايني اللي بيطلبوا مني بالاسم.
والحجة فاطمة؟
لسه بتيجي تزورني كل جمعة.
أنا مكنتش حطيتها في حسابات ابنها، لأن قلة أصل أحمد مش ذنبها.
أحياناً، لما الدنيا تهدى والعيال يناموا، بقف في البلكونة وأبص لأنوار العربيات من بعيد.
وبفتكر الوصل الصغير اللي لقيته في جيب الجاكيت الرمادي.
ورقة صغيرة.
لكن الورقة دي كانت كفاية إنها تكشف حقيقة كاملة.
في وقتها افتكرتها نهاية حياتي.
لكن بعد السنين، فهمت إنها كانت بداية حياة جديدة.
أحمد خسرني بسبب ساعتين.
وأنا خسرت عشر سنين من عمري، لكني كسبت نفسي.
وعرفت إن أوقات كتير، الحقيقة بتوجعنا لما تظهر...
بس الكذبة كانت هتوجعنا أكتر لو فضلت مستخبية.
ومن يومها، بقيت مؤمنة إن الإنسان ممكن يقع مرة، لكن مش لازم يفضل واقع.
أنا نهى.
مش الست اللي اتكسرت بسبب الخيانة.
أنا الست اللي عرفت الحقيقة، ووقفت على رجلي، وبدأت من جديد.
والمرادي...
من غير أحمد.