الفندق ج 2 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

السكوت اللي نزل على الصالة في اللحظة دي ما كانش سكوت عادي؛ كان سكوت يوجع الودان، من النوع اللي يخليك سامع دقات قلبك وهي بتضرب في زورك. المعالق اللي كانت بترن في الصواني وقفت، ومية الكوباية اللي دنيا دلقتها كانت بتسحف على مفرش السفرة الأبيض، بتشربه حتة حتة وبترسم بقعة رمادية كئيبة، ومحدش حتى فكر يمد إيده بمنديل ينشفها.

الحاج إسماعيل فضل باصص للظرف الأبيض الصغير المحطوط قدام طبقه. عينه العجوزة، اللي شافت سنين ومشاكل وحكمت بين عائلات بحالها، اتحولت في ثانية لجمرتين نار. حط إيده التقيلة المتجعدة على الترابيزة، وسحب الظرف ببطء شديد، كإنه شايل قنبلة مش ورقة.

«أمانة شرف العيلة؟» كررها الحاج إسماعيل بصوت واطي ومبحوح، بس واطي يخوف أكتر من الزعيق. «شرف مين يا بتي؟ انتي واعية للحروف اللي طالعة من لسانك دي يا نهى؟»

حماتي، الحجة فاطمة، كانت قاعدة مبرقة، صدرها بيعلى ويهبط، وعينيها رايحة جاية بيني وبين أحمد وبين دنيا اللي كانت حرفياً بتترعش على كرسيها.

صرخت فجأة: «نهى! انتي اتجننتي يا بت؟ شرف مين اللي ضاع؟ انتي بتقولي إيه على ابني؟»

أحمد كان ساند إيديه الاتنين على الترابيزة، وركبه مش شايلاه، وعرقه بينزل على قورته وينقط على طبق الرز قدامه.

صوته طلع مخنوق: «يا عمي متفتحش.. يا عمي عشان خاطر ربنا استر عليا، نهى فاهمة غلط، نهى بتخرب البيت عشان شك في دماغها!»

أنا وقفت مصلوبة، راسي مرفوعة لفوق، ومبصتلوش حتى. عيني كانت في عين الحاج إسماعيل.

«افتح يا عمي.. افتح واقرا الوصل اللي جوة، واقرا الكارت اللي في ضهره. ولما تخلص، اسأل الست المصونة اللي قاعدة في آخر الترابيزة كانت فين إمبارح الساعة واحدة الظهر؟ واسألها مين صاحب السلسلة الدهب اللي لابسها في رقبتها دي؟ واسأل ابن أختك كان مأجر الأوضة رقم 607 في فندق فيصل لمين.. وقضى الساعتين دول مع مين بالظبط!»

الكلمات نزلت زي المطارق، واحدة ورا التانية.

الحجة فاطمة أول ما سمعت رقم الأوضة، وشها اتخطف واتحول للون الكفن. الذاكرة ضربت في دماغها في ثانية؛ ده نفس الرقم اللي كان مكتوب في الوصل اللي شفناه في الشقة، ونفس الباب اللي خبطنا عليه إمبارح وطلع منه ابنها.

لفت حماتي وشها ببطء ناحية دنيا.

دنيا كانت قاعدة في آخر الترابيزة، منهارة ودافنة وشها بين إيديها، وعياطها طالع بشهقات مسموعة. ولما رفعت راسها، بانت السلسلة الدهب اللي في رقبتها، بدلاية على شكل ورقة شجر.

نفس السلسلة اللي الحجة فاطمة عارفاها كويس؛ لأن أحمد كان نازل يشتريها من الصاغة من شهرين بحجة إنه بيوفر قرشين للزمن.

الحجة فاطمة فتحت بوقها، بس مفيش صوت طلع منها. عينيها وسعت، وصوابعها شنجت وهي بتشاور على دنيا:

«إنتي؟! إنتي يا مقصوفة الرقبة؟! اللي كانت في الأوضة إمبارح.. إنتي؟!»

صرخة حماتي شقت سكون العمارة كلها، وخلت الحريم اللي في المطبخ يجروا ناحية الصالة.

حاولت تقوم، لكن رجلها خانتها، وقعت على الكرسي وهي بتلطم على خدودها:

«يا فضيحتك يا فاطمة! يا سواد ليلك يا فاطمة! بنتي اللي ربيتها في حجري بتخونني مع ابن بطني؟! يالهوي!»

في اللحظة دي، الحاج إسماعيل فتح الظرف.

طلع ورقة الوصل المكرمشة، وقراها بتمعن وهو ساكت تماماً. بعدين طلع الكارت بتاع المحامي اللي في العباسية وقلبه.

شاف خط إيد دنيا.

الخط اللي هو حافظه من سنين.

رفع راسه ببطء. وشه ما كانش فيه غضب عادي؛ كان فيه وجع راجل كبير شاف هيبته وعمره بيتداسوا قدام عينيه.

بص لأحمد، وبص لدنيا، وقال بصوت هادي تقيل:

«الكلام ده صح يا ولد أختي؟»

أحمد انهار على الأرض. نزل على ركبه وزحف ناحية خاله وهو بيبكي:

«سامحني يا خالي.. الشيطان دخل بينا. والله العظيم كنت هصلح الغلطة، والله العظيم كنت هخلص الموضوع ده. اتجوزنا عرفي عشان منقعش في الحرام. غلطة وندمان عليها!»

«عرفي؟!»

الكلمة وقعت على البيت كله كأنها قنبلة.

ولاد عم أحمد قاموا في لحظة، وعيونهم مليانة غضب.

محمود، ابن عم أحمد الكبير، قرب منه وقال:

«اتكتم يا واطي! إنت جاي في بيت أبوي وبتتكلم عن جواز عرفي؟ إنت كده بتلطخ اسم العيلة في عقر دارها!»

أما دنيا، فلما حست إن كل شيء انكشف، رفعت راسها. مسحت دموعها، وبصتلي بنظرة مليانة غل.

قالت بصوت مسموم:

«أيوة! متجوزين عرفي! ولو عليا كنت عوزاه يعلنها النهارده قبل بكرة! انتي مفكرة نفسك إيه يا ست نهى؟ أحمد مكنش طايق عيشتك! سنين وانتي حابسة حياته في المشاكل والطلبات، لغاية ما أنا دخلت حياته.»

الكلام كان جارح، لكنه بالنسبة لي ما كانش مفاجأة.

أنا كنت خلاص سمعت الحقيقة كاملة.

دنيا لفت ناحية الحجة فاطمة وقالت:

«وانتي يا خالتي، متعمليش نفسك متفاجئة! انتي طول عمرك بتقوليلي يا بخت اللي هياخدك. أهو ابنك خدني. أنا كنت شايفة إن ده حقي.»

الحجة فاطمة حطت إيدها على قلبها، ونفَسها بدأ يضيق.

الحريم جريوا عليها، وبدأوا يحاولوا يفوقوها.

وسط المعمعة دي، الحاج إسماعيل خبط كف إيده على السفرة خبطة هدت البيت كله.

«بسسسس!»

الصرخة خلت الكل يسكت.

قام واقف بطوله المهيب، وبص لأحمد اللي كان لسه على الأرض.

«قسماً بالله، لو اللي حصل ده كان قدام أبوك وهو عايش، كان زمان البيت كله اتقلب عليك. بس أنا مش هخلي الغضب يعميني، ومش هخلي مصيبة واحدة تجر وراها مصايب.»

وبص لمحمود:

«خد الواد ده دلوقتي، وروحوا مكتب المحامي اللي مكتوب في الكارت. هاتوا أصل ورقة الجواز العرفي، وكل نسخة موجودة. وبعدها يرجع معاك للمأذون ويتطلق منها رسمي. والموضوع ده ينتهي النهارده.»

أحمد كان بيعيط:

«حاضر يا عمي.. حاضر. بس سامحني.»

الحاج إسماعيل ما ردش عليه.

تم نسخ الرابط