بذور الشر وحصاد المرار ج 2 حكايات مني السيد
ساعة واحدة كانت أتقل ساعة في عمري. جهزت شنطة أحمد بإيدين مرتعشة، حطيت فيها هدومه ومصليته ومصحف صغير كان بتاع أبوه. لما عربية المصحة وصلت ومعاها التمريض المتخصص عشان يسيطروا عليه، أحمد فهم إنهم هياخدوه، وبدأ يصرخ بهستيريا ويكسر في الصالة: «مش رايح في حتة! انتو عايزين تحبسوني؟ عايزين تخلصوا مني زي ما خلصتوا من ستي؟ سيبوني هنا!»
الممرضين اتعاملوا معاه باحترافية، كتفوه وأعطوه حقنة مهدئة سريعة عشان يقدروا ينزلوه من غير ما يأذي نفسه، وجسمه بدأ يرخي بالتدريج. وهو نازل على النقالة، بصلي بعيون نص مقفولة، ودموعه نازلة على خده، وقالي بصوت واطي وضعيف جداً: «متسيبينيش يا ماما.. متسيبينيش هناك لوحدي».
الكلمة دي قطعت شرايين قلبي، جريت وراه وبوست راسه وإيديه وهو متخدر: «مش هسيبك يا نور عيني، هجيلك كل أسبوع، هتخف وترجعلي راجل وسند، وهفضل تحت رجلك لحد ما تقوم بالسلامة».
أخدوا أحمد، والبيت فجأة فضي. فضي بطريقة تخنق. حسام نزل معاهم في العربية عشان يكمل إجراءات الدخول والدفع، وفضلت أنا لوحدي في الشقة مع نادية وحسن. نادية بصت حواليها في الصالة، وبصت للبهدلة والفرش اللي اتقطع والحيطان اللي اتبهدلت من خبطات أحمد، وقالت لي بصوت هادي: «يا منى، الجزاء من جنس العمل، انتي شوفتي بعينك إن القوة مبتدومش لحد، وإن الصحة دي نعمة ربنا بياخدها في غمضة عين. ابدئي صلحّي اللي بينك وبين ربنا، واطلبي المغفرة ليل ونهار، يمكن ربنا يقبل توبتك ويردلك ابنك معافى».
حسن ونادية مشيوا، والباب اتقفل وراهم. دخلت شقتي، بصيت لكل ركن فيها، حسيت بالسكينة لأول مرة من سنين، بس كانت سكينة تقيلة ومرّة، سكينة بعد العاصفة اللي هدّت كل حاجة حلوة في حياتنا.
الأيام اللي بعد كدة كانت بداية الرحلة الطويلة للحساب والتكفير. أحمد دخل في برنامج علاجي قاسي، أول تلات شهور مكنش مسموح لنا نشوفه خالص، كنا بنطمن عليه من التقرير الأسبوعي اللي بيكتبه الدكتور المعالج. كل أسبوع كان بيمر عليا كأنه دهر كامل، حسام نزل يشتغل ورديتين عشان يسدد ديون إخواته، وبقى يرجع البيت مهدود الحيل، مفيش بيني وبينه كلام كتير، بس الحزن المشترك كان رابطنا بخيط رفيع من الصبر.
أنا من ناحيتي، اتغيرت تماماً. الشقة اللي كنت بتعصب من أقل هفوة تراب فيها ومن أقل ريحة مكنتش بطيقها، مبقتش تهمني في حاجة. بدأت أنزل المستشفيات الحكومية ودور المسنين القريبة مننا كمتطوعة، أروح أغير للمرضى الكبار العاجزين، أنضف تحتهم، وأغسل هدومهم وأفرش لهم السراير بإيدي ومن غير قفازات، كنت بعمل ده وأنا بعيط وبطلب من ربنا إنه يعتبر كل لمسة وكل خدمة تكفير عن كل مرة مديت فيها إيدي على حماتي أو اتأففت في وشها من ريحتها ومرضها.
بعد تمن شهور في المصحة، جه اليوم اللي الدكتور سمح لنا فيه بزيارة مفتوحة لأحمد. روحت أنا وحسام، وإيدينا مليانة أكل وحلويات من اللي كان بيحبها زمان. لما دخلنا أوضة الزيارة وشوفته، مقدرتش أمسك نفسي وجريت عليه، ارتميت في حضنه وبكيت. أحمد كان خاسس كتير، وشاحب، وعينيه هادية بس فيها حزن وندج مكنش موجودين قبل كدة، بس كان واعي، باصص لي بعيون نضيفة وصافية مفيهاش الغيامة السودة بتاعة الإدمان.
أحمد مسك إيدي وباسها، وقال بصوت راجل نضج في النار: «سامحيني يا أمي على كل وجع سببتهولك، وعلى كل يوم خوفتي عليا فيه. أنا كنت تايه في سكة ضلمة مكنتش شايف فيها غير الهروب، بس الدكتور فهمني إن الهروب بيودي للدمار. أنا هخرج من هنا إنسان جديد، وهعوضك إنتي وبابا عن كل اللي شوفتوه مني».
حسام حط إيده على كتف ابنه وضمه لصدوره، وإحنا التلاتة بكينا في صمت، صمت كان فيه عهد جديد على حياة تانية.
أحمد رجع البيت بعد سنة كاملة من العلاج والتأهيل، رجع شاب هادي، مواظب على صلاته، وبدأ يشتغل شغلانة بسيطة عشان يعتمد على نفسه ويساعد أبوه في سداد باقي الديون. البيت مرجعش زي زمان، الجرح ساب علامة وعمره ما هيمحى تماماً، وفضل في قلبي نغزة وندم على حماتي الله يرحمها مش هيروحوا إلا لما أقابل وجه كريم، بس عرفت وفهمت إن ربنا عدله مطلق، مبيظلمش حد، وإنه لما أدبني، أدبني في الدنيا عشان يفوقني قبل ما أقف قدامه وأنا شايلة ذنب ولية ضعيفة ملهاش نصير غيره، وبقت دي الحكمة اللي عايشة بيها؛ إن الضعيف له رب يحميه، وإن اللي بتزرعه في بيتك بقسوة، مش هتحصده غير مرار وندم يكسر ضهرك.
النهاية