بذور الشر وحصاد المرار ج 2 حكايات مني السيد
فضلت متبتة فيه على أرض البلكونة بكل عزم فيا، وهو بيعافر ويخبط كعوب رجليه في السيراميك، صوابعي مكلبشة في قميصه وخايفة لو فلتت ثانية واحدة هلاقيه طاير من الدور التالت على الأرض تحت. الجيران من البلكونات اللي قصادنا بدأوا يطلوا، أصواتهم كانت طالعة ملهوجة: «في إيه يا أم أحمد؟ امسكي الواد! استر يا رب!»، الفضيحة اللي كنت بعمل لها ألف حساب وبداري عليها بحيطان بيتي، بقت على المشاع، والناس كلها شافت عاري وعجز ابني.
زقيته لجوة الصالة بالعافية، ورزعت باب البلكونة وقفلته بالمفتاح وحطيته في عبايتي وأنا بنهج وروحي بتتسحب. أحمد وقع على وشه، يزحف على السيراميك ويضرب الأرض بقبضات إيديه الاتنين لحد ما مفاصل صوابعه جابت دم، ويصرخ بصوت مبحوح متقطع: «هموت يا أمي، بطني بتتقطع بسكاكين.. دماغي هتفرقع، اديني أي مهدئ، قرص واحد بس يريح العضم ده!»
منظره وهو مرمي تحت رجلي كسر قلبي لنصين. نفس الزحفة، نفس المذلة، ونفس النظرة اللي كانت حماتي بتبصلي بيها زمان لما تكون واقعة من على السرير ومش قادرة تقوم وتترجاني أمد إيدي أسندها وأنا أتعامل معاها بقسوة وأقول لها: «ارتاحي بقى وبطلي وجع دماغ!». الدنيا دارت ولفّت، وبقى ابني، حتة من كبدي، بيزحف تحت رجلي بنفس المذلة، وأنا عاجزة مش قادرة أقدّم له غير البكا.
قعدت جنبه على الأرض، سحبت راسه لحجري وهو بيقاوم ويشد في شعره من الصداع، وفضلت أطبطب عليه وأمسح العرق اللي كان بينقط من جبهته بارد زي المية الساقعة. في اللحظة دي الباب خبط خبط تقيل وسريع، قمت مفزوعة فتحت وأنا بترعش، كان حسام راجع من الشغل وشه شاحب وعينيه زاغة، الجيران قابلوه على السلم وقالوا له على الفضيحة اللي حصلت.
حسام دخل، قفل الباب وراه بالراحة، وبص لأحمد اللي مرمي على الأرض، وبعدين بصلي. نظرته مكنش فيها غضب، كانت مليانة انكسار وذل يهدموا أي راجل. قال بصوت هادي وميت يخوّف أكتر من الزعيق: «لحد إمتى يا منى؟ لحد ما نلاقيه رامي نفسه من فوق والناس تشيل جثته من الأسفلت؟ ولا لحد ما يقتل واحد فينا عشان ياخد تمن الجرعة؟»
قعد حسام في الأرض قصاد ابنه، وحط إيديه على وشه وانفجر في العياط. راجل في سنّه، بطوله وهيبته، يبكي بالحرقة دي قدام مراته وابنه.. كان المشهد ده كفيل يخليني أحس بصغر نفسي وحقارة كل لحظة قسيت فيها على أمه. حسام رفع راسه وبصلي وقال: «البيت ده خلاص مبقاش فيه أمان للواد، وعلاجه هنا في البيت ده وهم، إحنا بنضحك على نفسنا وبنضيع وقته. الواد لازم يدخل مصحة مقفولة، مصحة بجد حتى لو هنشحت، حتى لو هبيع الشقة دي وأقعد في الشارع!»
كلام حسام كان حاسم، بس الواقع كان قاسي. المصحات النضيفة اللي فيها رعاية طبية حقيقية وعلاج نفسي عايشة على مبالغ خيالية، شهر ورا شهر، وإحنا جيوبنا كانت اتصفت تماماً من المستشفيات والديون والسرقات. قعدنا طول الليل، أحمد نايم بمهدئ كتبه الدكتور في التليفون، وإحنا الاتنين قاعدين في الصالة ساكتين، مفيش غير صوت أنفاسنا التقيلة.
مع أول خيط نور دخل من الشباك، حسام وقف ولبس جاكتته وقال: «أنا نازل لإخواتي. هروح لحسن وأروح لأختي نادية، هطلب منهم يسلفوني تمن أول ست شهور في المصحة، ومش هرجع إلا والفلوس معايا، ده ابن أخوهم ومش هيسيبوه يموت».
أول ما قال «إخواتي»، قلبي اتقبض. إخواته اللي من يوم وفاة حماتي علاقتنا بيهم اتقطعت تماماً، نادية أخته مكنتش بتطيق تسمع اسمي، عشان كانت عارفة إني طردت أمها ورميتها عندها في آخر أيامها، وحسن أخوه كان حاسس إن أمه ماتت بحسرتها ومظلومة. قولت لحسام بصوت واطي: «تفتكر هيرضوا يقفوا جنبنا بعد اللي حصل؟»، بصلي بحزن وقالي: «معنديش حل تاني، الذل لأهلي أهون من إني أشيل كفن ابني بكرة».
نزل حسام، وفضلت أنا في البيت مع أحمد. كل دقيقة بتعدي كأنها سنة. دخلت أوضة حماتي المقفولة، المكان اللي كنت بهرب منه وبخاف أبص لبابه. فتحت الباب بالراحة، كانت الشمس داخلة خفيفة من بين شقوق الشيش، الهوا كان مقفول ومليان تراب، بس الحيطان كانت لسه شاهدة على كل كلمة قاسية اتقالت، وعلى كل نظرة قرف بصيتها للست دي وهي في أضعف لحظاتها.
وقعت على السجادة في قلب أوضتها، وبكيت بكا عمري ما بكيته. رفعت إيدي لربنا وقلت بكسرة حقيقية: «يا رب، أنا استقويت على ولية عاجزة ملهاش حيلة، وقرفت من مرض انت اللي كتبته عليها، وضربتها وأهنتها في بيتها اللي دخلتني فيه معززة.. أنا استاهل كل اللي بيجرالي، استاهل كل ضربة وكل وجع، بس عاقبني أنا يا رب، بلاش الواد، خفف عن أحمد ونجيه، ده ملوش ذنب في قسوة قلبي».
الساعة اتنين الضهر، الباب اتفتح، ودخل حسام، بس مكنش لوحده. وراه دخلت نادية أخته، وحسن أخوه الصغير. أول ما شوفتهم اتسمرت في مكاني، كنت حاسة إني عريانة من الخجل، مكنتش قادرة أرفع عيني في عين نادية اللي بصتلي بنظرة كلها حزن وقهر، بس مكنش فيها شماتة.
حسن قعد على الكنبة وطلع ظرف تقيل وحطه على الترابيزة، وقال لحسام: «دي الفلوس يا حسام، لميناها أنا ونادية من دهبها ومن جمعية كنت داخلها. أحمد ابننا وميضيعش وإحنا عايشين، بس الفلوس دي مش ليك ولا لمراتك، الفلوس دي عشان دم أمنا اللي بيجري في عروق الواد ده».
نادية قربت مني، وقفت قدامي وأنا موطية راسي في الأرض والدموع مغرقة وشي. مدت إيدها ومسكت دقني رفعت وشي، وقالت بصوت مكسور بس مليان عتاب يدبح: «عجبك كدة يا منى؟ شوفتي آخرة القسوة والغل إيه؟ أمي ماتت ودموعها في عينها، كانت كل ما تبص لي تقول: (منى بتضربني يا نادية عشان ببلل السرير غصب عني، متخليهمش يرجعوني ليها تاني). كنت بفتكرها بتخرف من كبر السن، بس لما شوفت اللي ابنك بيعمله فيكي، اتأكدت إن ربنا حي مبيغفلش. أمي نامت مظلومة، والظلم ظلمات يا منى».
كلام نادية نزل على دماغي زي المطرقة، مكنتش قادرة أدافع عن نفسي ولا أنطق بحرف واحد. رميت نفسي تحت رجليها، مسكت إيديها وبوستها وأنا بنهار: «حقك عليا يا نادية، سامحيني، وخلي روح أمك تسامحني، قولي لها ابنك ملوش ذنب، أنا اللي كنت شيطانة، أنا اللي قسيت، اتوسل ليكي ادعي له ربنا يشفيه ويسامحني».
نادية اتنهدت ودموعها نزلت، وسحبت إيدها بهدوء وقالت: «ربنا هو اللي بيسامح، وإحنا مش هنشمت، عشان الشماتة في المرض عيب، ولأن أحمد حتة مننا. قومي جهزي هدوم الواد، عربية المصحة جاية مع الدكاترة بعد ساعة عشان ياخدوه».