عزومـة الاخيرة ج 2 كـاملة بقلـم منـي السـيد
نقد أجنبي. الورق ده أصله كان تحت إيد الموظف اللي أنت طردته الشهر اللي فات من غير ما تديله حقه... الموظف ده جابهولي، وأنا اشتريته منه بنفس ال٨٥٠ ألف جنيه اللي كريم ابنك العزيز كان فاكر إنه بيسرقهم مني!
داليا بصت لأبوها وهي بترتعش
بابا... هي بتقول إيه؟ الورق ده حقيقي؟
أشرف ما قدرش يرد. كان بيتنفس بالعافية.
في اللحظة دي، دخل المطعم أربعة رجال لابسين بدلات رسمية سمرة، معاهم ظابط بشرطة السياحة ومعه إنذارات وقرارات نيابة. المشهد كان سينمائي. الناس في المطعم كلها سكتت وبصت عليهم.
الظابط قرب من الترابيزة بصوت حاد
أشرف عبد الحميد الداخلي؟
أشرف بلع ريقه بصعوبة
أيوة... أنا.
معان أذن من النيابة العامة بالقبض عليك وعلى الأنسة داليا أشرف الداخلي، بتهمة غسيل الأموال، والتزوير، والتهرب الضريبي بناءً على البلاغ رقم ٤٥٠٢ المقدم للنيابة العامة. اتفضلوا معانا من غير وش.
داليا صرخت صرخة هزت المكان
أنا؟! أنا مالي؟! أنا ماليش دعوة بأي حاجة! دي سارة هي اللي ملفقة كل ده! بابا قولهم حاجة!
الظابط بص للشنطة اللي مرمية على الأرض
الحسابات المسجلة باسمك فيها تحويلات بمليارات يا أنسة، وسيادتك متورطة رسمياً. هاتي شنطتك واتفضلي معانا.
داليا نزلت على الركبة على الرخام وهي بتعيط بهستيريا وتصرخ، ولمت شنطتها الماركة من على الأرض وهي بتموت من الفضيحة. الناس كلها طلعت موبايلاتها وبتصور أشرف الداخلي وبنته وهما مقبوض عليهم في قلب الفندق الراقي.
وقفت بالراحة، وعدلت نظارتي الشمسية. قربت من داليا وهي مسكينة ومسكوكة بالكلبشات.
وبستها في الهواء وقربت من أذنها وقلت بصوت واطي
المرة الجاية لما تقعدي على سفرة... إبقي تأكدي إن الكرسي اللي جنبِك مش محجوز للنيابة العامة. وخلي الشنطة الماركة تنفعك جوه.
داليا بصتلي بعينين مليانة غل ودموع ومقدرتش تنطق بحرف، والشرطة أخدتها هي وأبوها وخرجوا بيهم قدام كل رجال الأعمال والضيوف اللي كانوا قاعدين.
رحت دفعت حساب الأيس كوفي بتاعي، وخرجت من الفندق.
بعد أسبوعين...
الشمس كانت دافية، وهوا العصر في الشيخ زايد كان جميل.
كنت واقفة في جنينة الفيلا بتاعتنا. الفيلا اللي كانت هتروح في داهية بسب طمع كريم وغباء بابا وماما. الجنينة كانت متزينة، بس المرة دي مش بمظاهر فارغة وورد أبيض مبالغ فيه. كانت لمة صغيرة وجدية.
كنت عاملة عزومة غدا. بس عزومة بجد.
على السفرة الكبيرة اللي كانت زمان ممنوعة عليا... كنت أنا اللي قاعدة على راس السفرة.
على يميني بابا، وعلى شمالي ماما.
وفي الصالة كان قاعد الأستاذ سامح المحامي، وبعض قرايبنا المحترمين اللي بيحبونا بجد ومن غير مصالح.
ماما طلعت من المطبخ وهي شايلة صينية فيها أكل سخن، حمام ومحشي وفراخ مشوية ريحتها تقلب الكيان. حطت الصينية قدامي، ودمعة صغيرة نزلت من عينها.
اتفضلي يا سارة يا بنتي... الأكل كله السخن معمول بإيدي عشانك إنتي بالذات.
بصيت لماما، وشفت في عينها الندم الحقيقي. مسكت إيدها وحطيتها على خدها
خلاص يا ماما... اللي فات مات. المهم إننا اتعلمنا الدرس.
بابا رفع كاست العصير، وبصلي بفخر حقيقي، مش فخر مزيف زي اللي كان بيعمله لكريم.
أنا عايز أقول كلمتين... الفيلا دي، والعيلة دي، والبيت ده... كله واقف على رجليه النهارده بسبب بنت أصول بجد. سارة مش بس صانت فلوسنا، سارة صانت شرف العيلة دي وحمتنا من الضياع. أنا بكتب الفيلا دي كاتب نهائي باسم سارة... وهي الكبيرة بتاعة البيت ده من هنا ورايح.
الناس كلها سقفت.
ابتسمت، بس ابتسامتي كان فيها حزن صغير.
بصيت ناحية الباب. كريم كان واقف بره السور بتاع الجنينة. كان واقف بعيد، لابس هدوم بسيطة، وشه دبلان وخسيس، باصص علينا من ورا السور زي الغريب اللي مالوش مكان.
ماما بصت ناحيته، وعينيها اتملت دموع، بس ما تجرأتوش تناديه ولا تقولي يدخل. هي عرفت إن القواعد اتغيرت، إن اللي يبيع أخته ويضيع أبوه، ملوش مكان على السفرة.
قمت من على السفرة، ومشيت لحد السور.
كريم بصلي، وصوته كان مكسور وهو بيكلمني من ورا السلك
سارة... سمعت إن داليا وأبوها لبسوا قضية كبيرة والأموال العامة تحفيظت على أملاكهم كلها.
أيوة يا كريم. العدل أخد مجراه.
كريم نزل رأسه في الأرض
أنا... أنا كنت هكون معاهم يا سارة، صح؟ لو ما كنتيش أجبرتيني أتنازل وأبعد عنهم، كنت هكون ببدلة السجن دلوقتي.
أنت كنت عمي يا كريم. جريك ورا المظاهر والدلع والست اللي بعتك في أول محطة كان هيوديك في داهية. أنا ما أنقذتكش عشان خاطر عينيك... أنا أنقذتك عشان اسم بابا ما يتدنسش.
كريم رفع عينيه المليانة دموع
طب... ينفع أدخل؟ ينفع أقعد معاكم؟ أنا جعان يا سارة... والله العظيم جعان، ومش قصدي أكل... أنا جعان لمة العيلة.
بصيتله لثواني طويلة. قلبي كان وجعني عليه، بس العقل كان بيقول إن الدرس لازم يكمل لحد آخره.
لا يا كريم. مش النهاردة.
كريم اتصدم
ليه يا سارة؟
عشان السفرة دي مش لأي حد. السفرة دي للي بيعرفوا يتربوا ويصونوا النعمة. أنت هتفضل بره، تشتغل وتتعب وتسدد كل قرش عليك... ولما تثبت فعلاً إنك بقيت راجل وبنت أصول بجد تقدر تتحمل المسؤولية... أبقى أفتحلك الباب.
طلعت من جيبي علبة فيها أكل سخن نضيف، ومديتها له من فوق السور.
خدي الأكل ده... ده سخن، ومصنوع بعناية. كُله في شقتك، وافتكر إن كل لقمة بتدخل بؤك لازم تكون من عرق جبينك مش من طمعك في حتي أختك.
كريم أخد علبة الأكل بإيدين بتركع. بكي بصوت واطي، وهز رأسه
حاضر يا سارة... حاضر. شكراً إنك ما سبتنيش أتسجن.
لف كريم ومشي في الشارع، يجر رجليه، بس المرة دي كان ماشية حد بدأ يفهم الحياة صح.
رجعت لقعدتي على السفرة.
بابا مسك إيدي، وماما حطتلي أحسن حتة فرخة سخنة في طبقي الكريستال الشيك.
أدي القعدة الحلوة اهي يا سارة يا حبيبتي... السفرة ليكي، والبيت بيتك.
ابتسمت من قلبي لأول مرة من سنين.
أنا مش بس أخدت ال٨٥٠ ألف جنيه بتوعي...
ولا بس كشفت داليا وعيلتها الحرامية...
ولا بس أنقذت الفيلا من الضياع...
أنا أخدت قيمتي، ومكاني، واحترامي اللي كان مسلوب مني. علمتم إن البنت مش حيطة مايلة، ولا حصالة وقت الأزمة... البنت لما تكون بنت أصول بجد، تقدر تهد مباني المزيفين، وتبني بيتها على صخر ما يتهزش أبداً.
رفعت كاس العصير، وبصيت لبابا وماما وقلت بثقة وابتسامة نصر
في صحة أول درس في الحياة... إن الكرسي الوحيد الفاضي، مش أي شنطة تتقبل تقعد عليه... الكرسي ده، بتاع أصحاب البيت بس.
والنهاية كانت بداية لحياة جديدة، مفيهاش تنازلات، مفيهاش حنية على حساب الكرامة... حياة أنا اللي بكتب شروطها من أول كلمة... لحد آخر السطر.