عزومـة الاخيرة ج 2 كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

الجزء الثالث
الساعة كانت ٦ الصباح.
النور كان بيتسحب بالراحة جوه الصالة، وأنا قاعدة مكان من غير ما أغمض عيني لحظة واحدة. مج القهوة بين إيديا كان برد تمامًا، والفايل الأزرق محطوط قدامي على الترابيزة زي اللغين المستني اللي يدوس عليه.
التليفون ما بطلش زنين وطنين طول الليل.
مسجات من كريم، كولس من ماما، ورسايل صوتية من أرقام غريبة، غالباً أصحاب كريم أو محامين بيحاولوا يلموا الليلة قبل ما الشمس تطلع. بس أنا ما رديتش على أي حد. اللي يرمي أخته في البلكونة عشان شوية مظاهر فارغة، يستاهل يتحرق في نار الخوف ليلة كاملة.
الساعة ٧٣٠، لقيت باب الشقة بيتخبط.
المرة دي الخبط ما كانش فيه العنف ولا الغل بتاع امبارح. كان خبط مكسور، خبط حد جايلك وهو شايل كفنه على إيده.
قمت بالراحة، عدلت روبي، ومشيت لحد الباب. بصيت من العين السحرية.
كان بابا.
واقف بره لوحده. ضهره المفرود طول عمره كان متني بشكل يوجع القلب. هدومه مكرمشة، وعينيه دبلانة ومفيهاش نقطة نوم. ما كانش معاه لا كريم ولا ماما ولا داليا.
فكيت السلسلة وفتحت الباب.
اول ما شافني، شفايفه اترعشت. دخل وهو بيمشي بالعافية، وقعد على أقرب كرسي في الصالة كأنه شايل جبل فوق كتافه.
سارة يا بنتي.
صوته كان حشرجة طالعة بصعوبة.
سبت الباب مفتوح، وقفت قدامه ومربعة إيدي.
أهلاً يا بابا. خير؟ كريم بعتك تلين قلبي قبل الساعة ٩؟
بابا رفع عينيه فيا، وكانت مليانة دموع حقيقية.
كريم بره في العربية مع أمه ما خليتهمش يطلعوا معايا. كريم غلطان غلطان من ساسه لراسه، وأنا اللي ربيته غلط لما عودته إن أخته حيطة مايلة يسند عليها وقت ما يقع، ويعدي من فوقيها وقت ما يعلى.
سكت ثواني، وأنا قلبي كان بيتقطع من جواه، بس جمدت وشي.
كمل وهو بيمد إيده في جيبه وبيطلع دفتر شيكات
أنا بعت شقة الإسكندرية امبارح بالليل كلمت الراجل اللي كان عايز يشتريها من سنة، وبعتهاله بنص تمنها عشان يخلص كاش في ساعتها. ادي الشيك ب٨٥٠ ألف جنيه حفك الكامل يا سارة. حفك اللي إحنا استخصرنا نقولك شكراً عليه.
بصيت للشيك الورق اللي في إيده.
كان فيه لحظة صدق بيني وبينه، بس السكتة اللي بيننا كانت أكبر بكثير من مجرد فلوس.
والورق المزور يا بابا؟ كريم حكالك ولا لسه مهندس عليك الحكاية؟
بابا غمض عينيه بألم وكركع رأسه
حكالي امبارح بالليل لما لقى البنك هيحبسه، انهار وجيه تحت رجلي يعيط. عرفت إنه كان هيرهن البيت اللي ساكنين فيه، وكان هيضيعنا كلنا عشان يغطي بلاويه في البورصة. أنا انخدعت فيه يا سارة انخدعت في ابني اللي كنت فاكره هيرفع راسي.
والعمل؟ سألته ببرود.
الورق المزور لازم يرجع يا سارة. لو الورق ده وصل للنيابة الساعة ٩، كريم هيتحبس، والعيلة دي اسمها هيتمسح في الأرض. أنا مش بطلب منك ده عشان خاطره أنا بطلبه عشان خاطر شيبتي. عشان خاطر أبوكي اللي ما يستهلش يشوف ابنه يدخل السجن وهو في أواخر أيامه.
طلعت نفس طويل، وقعدت الكرسي اللي قدامه.
أنت عارف يا بابا إن الليلة اللي فاتت داليا كانت بتصرخ في الممر وبتقول إن أنا حاقدة؟ عارف إن ماما امبارح في التليفون كانت بتقول إن كريم سندكم وأنا مجرد بنت بكرة هروح لحالي؟ أنتم اللي عملتم فيه كده. أنتم اللي خليتوه يفكر إن من حقه ياخد كل حاجة ويترمي عليا الفضلة في طبق بلاستيك!
بابا حط الشيك على الترابيزة، ونزل على ركبه قدامي.
الموقف كان يرعب. أب بيكسر نفسه قدام بنته.
حقك عليّ يا بنتي حقك على راسي من فوق. أنتي سيدتهم كلهم، وأنتي اللي صنتينا وأحنا ضيعناكي. خدي الشيك، وامسحيها فيا أنا بلاش تدمريه.
مسكت إيد بابا بسرعة وقومته
بلاش الحركة دي يا بابا! بلاش تكسر نفسك عشان حد ما يستهلش!
في اللحظة دي، الباب اتزق بره بالكامل.
دخلت ماما، ووراها كريم.
ماما كانت شكلها يعز على الكافر، وشه شاحب وعينيها متنفخة من العياط. أما كريم، فكان زاي الفراخ المبلولة، خايف، مرعوب، ومتداري ورا أمه. داليا ما كانتش موجودة طبعاً، أول ما المركب غرق، هربت على بيت أهلها.
ماما جرت عليا وحضنتني، بس أنا جسمي كان متخشب.
سارة سامحيني يا بنتي! والله ما كان قصدي إهانة! أنا كنت مفكرة إنك مننا وعلينا ومش هتزعلي، وداليا هي اللي كانت بتضغط عليا وتقولي الناس المهمة هتقول إيه! سامحيني يا سارة، أبوس إيدك ما تخربيش بيت أخوكي!
بصيت لكريم اللي كان واقف مبصص في الأرض.
وإنت يا بطل؟ ما عندكش كلمة تقولها؟ ولا أمتك هي اللي بتمشي وتلم وراك القرف؟
كريم قرب خطوتين بصعوبة، وصوته كان بيترعش
أنا آسف يا سارة أنا كنت عمي. الشيطان غواني، وداليا كانت طول الوقت بتقولي إنك عايشة في خيرنا وإن البيت ده لازم يبقى بتاعي عشان أنا الراجل. أنا غلطت في حقك وفي حق بابا وماما. لو الم موضوع البنك ده، أنا مستعد أعمل أي حاجة تطلبيها.
وقفت في نص الصالة، ومسكت الفايل الأزرق.
الشيك ب٨٥٠ ألف هاخده ده حقي وفلوسي اللي اندفعت من عرقي.
أما بالنسبة للورق المزور والبنك أنا مش هقدمه للنيابة.
كريم رفع رأسه بسرعة، وشعاع أمل ظهر في عينيه
بجد يا سارة؟! ربنا يخليكي لينا يا
استنى! قطعت كلامه بصوت حاد زي الموس أنا ما خلصتش كلامي.
الكل سكت، وعيونهم اتعلقت بيا.
أنا مش هسلم الورق للنيابة عشان خاطر الشيبة اللي في رأس بابا بس. لكن الورق مش هيتقطع.
يعني إيه؟ ماما سألت بخوف.
يعني أصول العقود المزوّرة دي هتفضل معايا في الخزنة. وكريم هيمضيلي دلوقتي حالا على تنازل رسمي ونهائي عن أي حصة أو ورث في الفيلا بتاعة الشيخ زايد، وفي أي عقار يخص بابا وماما. الفيلا هتتكتب باسمي أنا وبابا وماما مناصفة، وكريم ما يدخلهاش تاني ولا له دعوة بيا ولا بالعيلة.
كريم اتصدم
إيه؟! أتنازل عن حق في ورث الفيلا؟! ده بيتي!
كان بيتك لما كنت صاينه! صرخت فيه إنما لما فكرت ترهنه وتبيع أبوك وأمك عشان قمارك وبورصتك، بقيت الغريب! قدامك دقيقتين يا كريم تمضي على ورق التنازل اللي المحامي بتاعي جهزه بالليل، يا إما الساعة ٩ طالعة، والفايل الأزرق هيروح في إيد مدير البنك والنيابة، وهتقضي ١٥ سنة سجن بتهمة تزوير واستيلاء!
كريم بص لماما، ماما غطت وشها وعيطت. بص لبابا، بابا أدار وشه الناحية التانية وقال بصوت قاسي
امضي يا كريم أمضي بدل ما أموت وأنا شايفك ببدلة السجن.
كريم أيده كانت بتترعش وهو بيمسك القلم. وقع على ثلاث نسخ من عقود التنازل عن أي حقوق مستقبلية في أملاك العيلة، وعلى إقرار بدينه بكل الفلوس اللي سحبها من بابا بدون وجه حق.
أخدت الورق منه، وراجعت الإمضاءات بعناية، وبعدين حطيته جوه الفايل الأزرق وقفلته.
كده حسابنا أتقفل يا كريم. أطلع بره شقتي، وما شوفش وشك تاني.
كريم بصلي بعينين مليانة كسرة وندم، ولف ومشي يجر رجليه بالعافية وخرج بره الشقة.
ماما كانت بتعيط وتترجاني
سارة هتسيبيه يروح فين؟ ده أخوكي!
ده

تم نسخ الرابط