حماتي حرقتني ج 2 حكـايات مني السيد

لمحة نيوز

المستشفى كانت ريحتها فورمالين ومطهرات، ريحة بتقلب البطن وتزود الخوف. أضواء النيون البيضا في الصالة كانت بتعكس على الأرضية البلاط، وكل خطوة كان المسعفون بيمشوها بالنقالة كانت بتهز رجلي، مع كل هزّة كان فيه نار بتسري في عروقي من الصوابع لحد حوضي.
بابا كان ماشي جمبي، إيده الخشنة ماسكة إيدي بقوة، إيد راجل طفح الدم طول عمره عشان ما يخيلش بنته لحد. عينيه كانت مليانة دموع محبوسة وغضب ينطق.. غضب الأب اللي شايف شقا عمره وثمرة حياته بتتكسر وتتحرق على إيد ناس ما يسواش. وائل أخويا كان ماشي الناحية التانية، عروق رقبته نافخة، تليفونه على أذنه ما بيفصلش، بيظبط مع المحامي وبيطلب من دكاترة الطوارئ يعجلوا بالتقرير الطبي المعتمد قبل ما حد يحاول يغير حاجة في المحضر.
اهدي يا كريمة يا بنتي.. اهدي يا حبة عيني، حقك جاي ورجلك دي قسماً بالله لأقطعها من رقابيهم هم الاثنين! بابا قالها وصوته بيترعش من القهرة. أنا مكنتش بقادر أرد، شفايفي كانت ناشفة ومشققة من كتر الشد على سناني عشان أمنع نفسي من الصراخ. كنت ببص للسقف والأضواء بتمر فوقي وزي ما تكون شريط فيديو لرحلة تلات سنين سنتين خطوبة وتلات أيام جواز. سنتين وأنا شايفاه المهندس أحمد المتربي، الهادي، اللي بيسمع كلام أمه من باب البر بالوالدين! يا لغفلتِي ويا لغبائي! البر مكنش بر، البر كان الخضوع المطلق، كان الغياب التام لشخصية راجل مفروض يبني بيت ويكون سكن وحماية. كنت فاكرة إن هدوءه في الخطوبة دي علامة رقي، أثاري الهدوء ده كان لإن أمها هي اللي كانت بتدير الريموت من بعيد، ولما بقيت معاه في بيت واحد وشافت إن اللعبة بتتسحب من إيدها، قررت تحرقني عشان تثبت إنها الكبيرة!
دخلوني أوضة الطوارئ، الطبيب المعالج بدأ يشيل قماش الترينج المبلول بالشوربة، كان قماش الدايب في الجلد. كل شدة كانت بتخليني أصوت بصوت يقطع القلب. حرق من الدرجة الثانية العمقة.. وفيه فقاقيع ممتدة من منتصف الساق لحد سطح القدم، المية المغلية كانت فيها نسبة دهون عالية شوربة وده خلى الحرارة تثبت على الجلد وما تبردش بسرعة، الدكتور قال وهو بيكتب في التقرير الطبي بصوت جاف لازم تنظيف تحت مخدر موضع، وتغيير يومي لمدة شهرين على الأقل، وغالباً هتحتاج جلسات ليزر عشان الأثر ما يسيبش عاهة دائمة.
سمعت كلمة عاهة دائمة وبابا ومسك رأسه بإيديه وقعد على الكرسي كأنه كبر عشر سنين في ثانية. وائل بص للدكتور وقال اكتب كل ده في التقرير يا دكتور.. اكتب كل نقطة، والنسبة المئوية للحروق، والمية المغلية والمواد الدهنية، والتاريخ والوقت بالدقيقة.
ساعتين في الطوارئ مروا عليا كأنهم دهر. مخدر وتنظيف وشاش فازلين ومسكنات قوية بدأت تخدر جسمي بالتدريج، بس قلبي مكنش يتخدر. العقل كان بيشتغل بشرارة انتقام صادقة. أنا مش الست اللي بتقعد تعيط في الزاوية وتستنى أهلها يجيبولها حقها بكلمتين ولا قعدة عرب. أنا دكتورة كريمة، أنا اللي شقيت واتعلمت وصممت حياتي بنفسي، والشقة دي كانت أول خطوة في استقلالي، ومفيش كائن على وش الأرض هيخليني أنحني.
على الساعة تلاتة الفجر، وبعد ما رجلي اتلفت بالكامل وبقيت مش قادرة أحركها، جه ضابط المباحث الأومباشي ومعه أمين شرطة عشان ياخد أقوالي في المستشفى. يا دكتورة كريمة، المتهمين في القسم أحمد م وأمه تهاني ع ينكران الاتهام كلياً، والأم بتقول إنك أنتِ اللي تكشفتي على الحلة أثناء الطبخ وسحبتيها وغشامتك هي اللي حرقتك، وجوزك بيكرر نفس الكلام وبيقول إنها مجرد حادثة عائلية وأنتِ مأفورة الموضوع عشان خلافات على ملكية الشقة.
ضحكت ضحكة مكسورة، بصيت لوائل، وائل طلع فلاشة من جيبه وحطها قدام الضابط الكاميرات الذكية مش بتكذب يا باشا. دي الفيديوهات من لحظة ما الست دي دخلت الشقة بشفرة الباب من غير إذن، لحد ما رمت الورقة بالشروط، ولحد ما مسكت حلة الشوربة المغلية ولفت إيدها بدقة وقاصدة تدلقها على رجل أختي وهي بتقولها دعوة الفجر استجابت والرب حرق قلبك. ومعانا التسجيل الصوتي كمان اللي ثبت إن جوزها كان واقف بيتفرج وحبسها في الأوضة ورفض يطلب الإسعاف!
الضابط خد الفلاشة وحطها في تليفونه المحمول بالوصلة. الأوضة سادها الصمت لمدة خمس دقايق وهو بيتفرج على الفيديو. وش الضابط بدأ يتغير، ملامحه قسيت، وعينيه رفعت وراجعتني، وبعدين بص لوائل وبابا وقال بنبرة حازمة الموضوع ده مش مجرد مشاجرة أسرية.. ده شروع في إحداث عاهة مستديمة مع سبق الإصرار والترصد، وحبس حرية. الفيديو واضح جداً والشماتة والتعمد ظاهرين. النيابة الصبح هتعرض عليهم الفيديو، ومفيش خروج بكفالة في الجنايات دي.
في نفس الوقت، وفي خشبة قسم المهندسين... كانت الحاجة تهاني قاعدة على دكة خشب ملحوقة بالتراب والزبالة، شالها الستان الذهبي متوسخ، وعلى وشها علامات الذهول والصدمة. هي طول عمرها كانت بتفرد عضلاتها في حارتهم وفي عيلتهم، كلمتها هي السيف، وجوزها المرحوم كان بيسمع الكلام وهو ساكت، وأحمد ابنها كان عروسة خشب في إيدها. مكنتش متخيلة إن فيه حد ممكن يقف قدامها، أو إن فيه حاجة اسمها قانون وكاميرات!
أحمد كان قاعد جنبها على الدكة، يفرك إيديه في بعض، وشه أصفر زي الليمونة المقطوعة، قميصه مقطع من مسكة وائل له عند الباب، وكل

تم نسخ الرابط