«إنـتِ النـهارده مـش هتقـعدي على السفـرة.» ج 2 حكايات مني السيد

لمحة نيوز

ولو المبالغ دي ما اتردتش خلال أسبوعين، الورق ده كله مع البلاغ هيكون في النيابة العامة بتهمة النصب والاحتيال.
فتحية صرخت أنتِ بتهددين في بيتي؟!
رديت عليها بصوت حاد كالحديد أنا مبهددش... أنا بنفذ! والبيت ده ما بقاش يلزمني ولا يلزم عتبته أطأها تاني.
عم حسن قرب مني، ومسك إيدي وحطها بين إيديه التراب سامحيني يا بنتي... حقك عليا أنا. أنا ما كنتش داري بحاجة من القذارة دي كلها. حقك فوق رأسي يا سارة.
بصيت لعم حسن بحزن وقلت له أنت راجل طيب يا عم حسن، وعمري ما شفت منك غير كل خير. بس البيت ده خلاص... السقف بتاعه وقع من زمان، وأنا مش هفضل قاعدة تحت الأنقاض.
سحبت إيدي بالراحة، وبصيت لأحمد بصة أخيرة... بصة مفيهاش عتاب ولا كره، بصة حد بيودع غريب ما يعرفوش. ومشيت ناحية الباب.
أحمد حاول يقوم يلحقني، بس عم حسن زعق فيه بصوت هز أركان الشقة اقعد مكانك يا خايب! سيب البنت تروح للي يصونها... أنت ما تستاهلهاش!
خرجت من الباب، وقفلت الصفحة دي من حياتي للابد.
بعد ستة أشهر...
الجو كان دافي في عصر يوم جمعة من أيام الخريف.
كنت واقفة في الصالة بتاعة شقة بابا في السيدة زينب. الشقة اتغيرت تماماً... دهنت الحيطان بألوان فاتحة ومبهجة، النور كان مالك كل حتة، والزرع الأخضر كان مالي البلكونة.
الفلوس بتاعة دهبي وورثي رجعتلي بالكامل بعد ما عم حسن أجبر فتحية وأحمد يبيعوا حتة أرض كانت ملك العيلة في البلد عشان يسددوا ديوني وينقذوا ابنهم من المحاكم. وأنا كسبت قضية الطلاق للضرر من أول جلسة بعد ما المحامي قدم العقود والورق.
أما أحمد... فعرفت إنه ساب شغل الميكانيكا كلياً ورجع يقعد في البيت، مكسور ومأنتخ، وأمه فتحية بقت عايشة في نكد متواصل بعد ما مصطفى أخوه سافر وما بقاش بيسأل عنهم، وعم حسن قاطع الكلام مع فتحية وبيقضي أغلبيته وقته في المقهى مع أصحابه. البيت اللي كانوا فاكرين إنهم بيأمنوه بالنصب والظلم... اتهد فوق رؤوسهم بذات أيديهم.
أنا بقى؟ سيبت الشغل في محل الملابس... وبفلوسي اللي رجعتلي، فتحت أتيليه صغير لتصميم وتفصيل الملابس في السيدة زينب. المشارييع مشيت، والمحل بقى معروف في المنطقة، وبقى عندي شغل بيملى وقتي وبيفرح قلبي.
في اليوم ده، كنت عاملة عزومة صغيرة في بيتي. عزومة مش عشان مجاملات ولا عشان نفاق... عزومة ناس بتحبني وبحبهم.
كانت خالة أمينة قعدة في الصالة بتضحك، ونجوى أخت أحمد كانت جاية من إسكندرية خصوصي عشان تحضر معايا افتتاح التوسعة الجديدة للأتيليه، ومعاهم اتنين من صاحباتي القريبين.
كنت واقفة في المطبخ، لابسة مريلة المطبخ البيضاء الجديدة، وبغرف الاكل في الأطباق. ريحة الطبخ كانت ملية المكان، وصوت الضحك والمزاح طالع من الصالة للمطبخ.
مسكت صينية الأكل الكبيرة، وطلعت بيها على الصالة.
نجوى وقفت بسرعة عشان تاخد مني الصينية هاتي عنك يا سارة... أنتِ تعبتِ طول الصباح!
ابتسمت لها وقلت لا يا نجوى... الأكل ده أنا اللي عاملاه بحب، وأنا اللي هحطه بنفسي.
حطيت الصينية في نص الترابيزة الكبيرة، وقعدت على رأس السفره... قعدت في المكان اللي يريحني، وفي البيت اللي ملكي، ووسط الناس اللي بيقدروني.
بصيت حوليا... شفت ضحكة نجوى، وطيبة خالة أمينة اللي كشفت السر في الوقت المناسب، وشفت صورت بابا وماما على الحيطة وهما بيتبسموا لي.
أخدت نفس عميق... نفس حر ونظيف ومفيهوش أي خيبة أو خوف.
رفعت المعلقة وابتسمت وقلت لهم يلا يا جماعة... بسم الله. السفره دي بتاعتكم... وبيتي مفتوح ليكم ديماً.
في اللحظة دي بس، عرفت إن الخسارة الحقيقية مش إنك تخسر ناس ما يصونوكش... الخسارة الحقيقية إنك تفضل قاعد على سفره مفيهاش ليك مكان، وتفتكر إن ده آخر العالم.
وأنا... أخيراً قعدت على السفره صح.
تمت.

تم نسخ الرابط