«إنـتِ النـهارده مـش هتقـعدي على السفـرة.» ج 2 حكايات مني السيد

لمحة نيوز

رسمية من القضايا والشيكات اللي على مصطفى، وعقود بيع ورشة أحمد. خدي الورق ده... واحمِي نفسك.
بصيت لنجوى وعيوني مليانة دموع، بس المرة دي ما كانتش دموع ضعف... كانت دموع جمر بيتحول لنار. شكراً يا نجوى... شكراً إنك أنقذتيني في آخر لحظة.
أنتِ هتعملي إيه يا سارة؟ نجوى سألتني بخوف.
وقفت وحطيت الورق جوه شنطتي، وبصيت للنور اللي طالع من الشباك هعمل اللي كان لازم يتعمل من خمس سنين.
الساعة كانت عشرة الصبح. شبرا كانت زحمة ودوشة زي العادة، بس البيت بتاع حمايا كان ساكت كأن ملك الموت مرّ من قدامه.
طلعت السلم بثبات. كل خطوة كانت بتقول إن سارة بتاعة البارح ماتت خلاص، وإن الست اللي طالعة السلم دي مش جاية تتفاوض ولا جاية تعاتِب... دي جاية تاخد حقها وتنهي الكابوس.
وصلت قدام الباب. ما خبطتش بالراحة زي زمان... خبطت خبطات قوية، واثقة، ومسموعة.
لحظات والباب اتفتح. كان أحمد هو اللي فتح. وشه كان دبلان، وعيونه محمرة ومورمة من السهر. أول ما شافني، عيونه لمعت ببريق أمل كأنه شاف طوق النجاة سارة! الحمد لله إنك جيتي... تعالي يا سارة، دخلت وكنت هبتجنن عليكي! برن عليكي طول الليل والتليفون مقفول...
زقيته بأيدي ومريت من جنبه للداخل من غير ما أرد عليه ولا كلمة.
الصالة كان فيها عم حسن قاعد على الكنبة، شكله كبر عشر سنين في ليلة واحدة، وحماتي فتحية كانت قاعدة جنبه، لابسة العباية السودا ووشها متجهم ومكشر. أول ما شافتني دخلت، وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة هجومية عشان تداري توترها أهلاً... الهانم شرفت! جاية بعد ما فضحتين في الشارع ومشيتي؟ جاية لما عرفتي إن مالكيش مأوى غير بيت جوزك؟
ما رديتش عليها. مشيت لحد نص الصالة، وقفت بثبات، وفتحت الشنطة. أخرجت منها الملف الأصفر، وحطيته على الترابيزة اللي في النص بقوة عملت صوت عالي.
عم حسن بص للملف واستغرب، وأحمد وشّه اتغير وحس بالخطر وقرب بسرعة إيه الورق ده يا سارة؟
بصيت لحماتي وقلت بصوت هادي جداً، بس كل كلمة فيه كانت نازلة زي المرزبة الورق ده هو الحقيقة يا طنط. الورق ده عقد بيع ورشة أحمد من سنة ونص... وصور إيصالات الأمانة والشيكات اللي على ابنك الحبيب مصطفى... وعقد القرض اللي كنتوا عايزين تدبسوني فيه عشان مصطفى يهرب بره مصر وأنا أتسجن أربع سنين بداله!
السكوت نزل على الأوضة زي الصاعقة. عم حسن اتنفض من مكانه وبص للملف، ومد إيده وفتحه وشهقاته بدأت تزيد وهو بيقلب بين الصفحات. إيه ده... إيه ده يا فتحية؟! دي صور عقود وشيكات! ورشة أحمد مبيوعة؟! ومصطفى عليه قضايا بمليون جنيه؟!
فتحية وشها جاب ألوان، بصت لأحمد بصه غضب، وبعدين بصتلي وقالت بصوت بترعش من الغل أنتِ... أنتِ جبتي الورق ده منين؟ أنتِ بتتجسسي علينا؟ إنتِ جاية تخربي البيت؟
أنا اللي خربت البيت؟ ضحكت بصوت عالي، ضحكة صافية ومفيهاش أي وجع. أنا اللي خربت البيت يا ست فتحية؟ ولا إنتِ اللي بعتي ورشة ابنك الكبير عشان تسندي الصايع الصغير؟ أنتِ اللي خليتيني أبيع دهبي وأصرف ورثي من بابا الله يرحمه على ديون ابنك وأنا فاكرة إني بساعد جوزي؟ أنتِ اللي قعدتي تقوليلي مفيش حمل وأنتِ عارفة إن العيب في ابنك وبس، بس كنتِ بتغطيه عليا وعلى الناس عشان تطعنيني في أنوثتي وتخليني ديماً حاسة بالذنب وأسمع كلامك وأبص للأرض؟
عم حسن بص لأحمد وبص لفتحية، وعيونه كانت بتفوض دموع حسرة يا خسارة مربايا... يا خسارة عمري اللي ضاع في البيت ده! أنتِ عملتي كده يا فتحية؟ ضيعتي أحمد عشان مصطفى؟ وكنتي هتدبسي البنت الغلبانة دي في السجن؟
أحمد وقع على ركبه قدام أبوه، وبدأ يعيط بصوت عالي يا بابا افهم... مصطفى كان هيتسجن! أمي قالتلي مالهاش غيرنا، وقالتلي سارة بتحبك وهتسامح لما تكتشف، وقالتلي الورشة هنرجع نشتريها تاني...
التفت لأحمد وبصيت له بأسف، أسف على السنين اللي ضيعتها مع راجل ملوش شخصية ولا كلمة أنت مش راجل يا أحمد. أنت مجرد ظِل لأمك. الراجل هو اللي يحمي مراته، مش اللي ياخدها كبش فداء لعيلته. الراجل هو اللي يقف في وش الدنيا عشان كرامة بيته، مش اللي يسيب أمه تطرد مراته من الباب وتقولها مش هتقعدي على السفره وهو واقف يفرك في مفاتيحه ومستني المشكلة تعدي!
سارة... سامحيني يا سارة! أحمد مسك في طرف عبايتي وهو بيعيط زي العيل الصغير. أنا بحبك... والله بحبك! أمي هي اللي ضغطت عليا، أنا ما كنتش عايز أضرِك!
نضضت عبايتي من إيده بقرَف، وبصيت له بثبات اللي بيحب حد مبيسيبوش يترمى في النار يا أحمد. أنت ما بتحبنيش... أنت بتحب راحتك، وبتحب تسكت أمك عشان ما تعملكش مشاكل.
التفت لحماتي فتحية اللي كانت واقفة زي الثعبان المزنوق في زاوية وأنتِ يا ست فتحية... أنتِ كنتِ فاكرة إنك أذكى واحدة في الدنيا. فاكرة إنك تقدري تلعبي بالناس وتكسري نفوسهم وتستغلي طيبتهم. بس ربنا كبير... والظلم ملوش رجلين يمشى بيها للآخر.
أخرجت ورقة تانية من شنطتي، وحطيتها على الترابيزة جنب الملف دي إنذار على يد محضر بطلب طلاق للضرر، ومعاها إنذار برد كافة مبالغ دهبي اللي أخدتوها، ومكافأة بابا اللي اتصرفت على ديون مصطفى بإيصالات وتحويلات بنكية مع المحامي.
تم نسخ الرابط