«إنـتِ النـهارده مـش هتقـعدي على السفـرة.» ج 2 حكايات مني السيد

لمحة نيوز

الفصل الثالث والأخير
وسعت لها الباب ودخلت.
نجوى كانت أكبر إخوات أحمد، ست عاقلة وفي حالها، متجوزة في الإسكندرية ومبتحبش تدخل في مشاكل بيت عيلتها. كانت ديماً بتيجي في المناسبات الكبيرة بس، وتقعد هادية، تبتسم وتبص للمشهد من بعيد لبعيد.
قفلت الباب وراها ورجعت الصالة. نجوى مشيت بخطوات بطيئة، حطت شنطتها على الترابيزة وبصت حوالين الشقة، وبعدين بصتلي. كانت عيونها مليانة شفقة وحزن، وده أكتر شيء كان بيوجعني... إن الناس تبقى شايفاني ومصعوبة عليا، وأنا اللي كنت فاكرة إني صلبة وشايلة بيتي ومتحملة.
اشربي حاجة يا نجوى؟ قلتها بصوت بحوح ومجهد من كتر البكا طول الليل.
قعدت على الكنبة وشاورتلي إني أقعد جنبها تعالي قرمطي جنبي يا سارة... مفيش داعي للشكليات. أنا مش جاية أضايف ولا جاية أصلح المكسور بكلام فارغ. أنا جاية عشان ضميري مياكلنيش أكتر من كده.
قعدت جنبها وأنا مستغربة، شديت الكراسة القديمة اللي كنت بكتب فيها وأنا مستنية أسمع.
نجوى اتنهدت تنهيدة طويلة، وفتحت شنطتها وأخرجت ملف أصفر، وحطته على ركبتي افتحي الملف ده يا سارة... وشوفي بنفسك.
فتحت الملف وأنا بتنفس بالعافية. كانت جوا أوراق رسمية، صور عقود، وإيصالات أمانة وشيكات. عيني كانت بتتنقل بين السطور والأرقام وأنا مش فاهمة كل التفاصيل، بس الاسم اللي كان مكتوب في أغلب الورق كان واضح زي الشمس أحمد... وأمه فتحية.
ده إيه ده يا نجوى؟ سألتها وأنا حاسة إن رأسي هينفجر.
نجوى طبطبت على إيدي وقالت بصوت واطي دي حكاية الست سنين اللي فاتوا... الحكاية اللي أحمد وأمي مخبيينها عنك وعن أبويا وعن الدنيا كلها. سارة... أحمد مش مديون من النهارده، ولا القرض ده عشان الورشة الجديدة بس زي ما أمي فهمتك البارح.
بصيت لها بذهول يعني إيه؟ الورشة اللي جنب ورشته مش معروضة للبيع؟
نجوى ضحكت بمرارة الورشة معروضة للبيع فعلاً، بس مش عشان أحمد يكبر ورشته... أحمد بايع ورشته القديمة من أصلها من سنة ونص!
إيه؟! الكلمة طلعت مني زي صرخة. قمت وقفت في نص الصالة وأنا بضرب كف بكف. بايع الورشة؟ كيف؟ ده بيروحها كل يوم من الصبح للليل! ده بيرجع هدومه كلها شحم وزيت!
نجوى هزت رأسها بالرفض وقالت بيروح يشتغل فيها بالأجرة يا سارة! الورشة اللي كانت باسمه وبتاعته، أمي خلتو يبيعها من سنة ونص عشان تسدد ديون أخوه الصغير مصطفى لما دخل في مشروع التداول والبورصة وعمل ديون بالهبل وكان هيتسجن. أمي ضغطت على أحمد، وقالت له أخوك هيضيع، بع ورشتك وسلكه، وأنا هعوضك. وأحمد، زي العادة، مبيعرفش يقول لأمي لأ. باع الورشة وصرف الفلوس على ديون مصطفى، وقعد يشتغل ميكانيكي بالأجرة عند الراجل اللي اشترى منه الورشة!
أنا كنت واقفة متسمرة في مكاني. الأرض كانت بتدور بيا. سنتين كاملين! سنتين وأنا شايفاه بيرجع تعبان ومهدود، وبقول معلش، جوزي بيشقاطى عشان نعمل مستقبل! سنتين وأنا باخد المرتب بتاعي من محل الملابس، وأحط النص في مصاريف البيت والنص التاني في الجمعيات وحساب التوفير اللي كنت فاكرة إنه عشان شقتنا التمليك!
والدهب؟ سألتها وشفايفي بتترعش. الدهب اللي بعته الشهر اللي فات لما أمي قالتلي خليه يوسع الورشة؟
نجوى بصت في الأرض وقالت بقسوة الواقع الدهب راح عشان يغطوا قسط شيك قديم كان مصطفى ماضيه، ولما الشيك جه وقته وكان هيتصلب، أمي جابتك وشربتك الكلمتين، وأنتِ بصفاء نيتك بعتي الدهب وأديتيه لأحمد، وأحمد خد الفلوس وجري بيها على المحامي عشان يسحب الشيك من النيابة!
أنا حسيت بخنقة، حطيت إيدي على صدري ومش قادرة أتنفس. يعني كل دي كانت تمثيلية؟ كل كلمة... كل كلمة كانت كدبة؟
وأكتر من كده... نجوى كملت كلامها وهي بتشاور على الورق اللي في إيدي. القرض الجديد اللي أمي عايزاكي تمضي عليه كضامن... ده مش عشان يشتروا الورشة من جديد. القرض ده عشان مصطفى أخوه يهرب بيه بره مصر بعد ما تورط في قضايا جديدة، وأمي عايزه تسد الديون دي وتكتب الشقة اللي في شبرا باسم أحمد صوريًا عشان البنك يقبل الرهن، وبما إن مفردات مرتب أحمد مش كفاية ومجرد عامل بالأجرة، البنك طلب ضامن حكومي أو شغالة في مكان مسجل براتب ثابت... فكان لازم أنتِ الضامن!
ولو القرض ما اتسددش... قلتها بصوت كأنه طالع من القبر.
لو القرض ما اتسددش... أنتِ اللي هتتسحبي في السجن يا سارة، والشقة بتاعة شبرا مش هيحصلها حاجة لأن أمي هتنقل ملكيتها لراجل تاني بعقد ابتدائي متبصم عليه بتاريخ قديم، وأنتِ هتكوني الضامن الوحيد اللي قدام البنك والشيكات باسمك!
أنا قعدت على الأرض... ركبي ما شالتنيش. كل حاجة وضحت. كل قطعة في البازل الغريب ده اتجمعت. طردها ليا البارح قدام باب المطبخ... نظرات التحدي في عيونها... عياط أحمد وعجزه... خوفهم إن الخالة أمينة تتكلم... ما كانوش خايفين من الفضيحة قدام الناس... كانوا خايفين إن الملعوبة تتكشف قبل ما أمضي على الورق!
نجوى نزلت قعدت قدامي على الأرض، ومسكت إيدي الاثنين سارة... أنا لما حسن أخويا كلمني البارح وقال لي إنك مشيتي وإن أمي كانت بتطردك، فهمت إن اللعبة وصلت لآخرها. أنا سكبت سنين على عوج أمي وسكوت أحمد، بس إني أسيبهم يسحبوكي للسجن وتدفعي تمن قذارة مصطفى وضعف أحمد... ده اللي ما كانش ينفع أسكت عليه. الورق ده صور

تم نسخ الرابط