«إنـتِ النـهارده مـش هتقـعدي على السفـرة.» ج 1 حكـايات مني السيد
سنة
لا هتكلم! هتكلم يا أحمد! بقالي سنتين ساكتة ومتحملة نظرات أمك ونغزاتها في كل عزومة! بقالي سنتين ببلع ريقي وأسكت لما تقولي قدام قرايبك ها يا سارة مفيش حاجة في السكة؟ وأنا عارفة وشايلة سرك وسارقة روحي عشان ما أحرجكش قدامهم! وفي الآخر هي طالعة تقول عليا ما بخلفش وبتحرموني من التمكين وبتحسبوها بالورقة والقلم؟
عم حسن بص لأحمد بصة ذهول
أنت... أنت كنت عارف الكلام ده يا أحمد؟ أنت سايب أمك تظلم مرتك في السر والعلن وأنت داري بالحقيقة؟
أحمد حط إيده على وشه وقعد على أقرب كرسي وهو بيعيط... أيوه كان بيعيط، بس دموعه دي بالنسبة لي ما بقتش تمسني ولا تحرك فيا شعرة. كانت دموع عجز ورعب من إنه يواجه الحقيقة.
حماتي وقفت قدامي وهي بتهز إيدها في وشي وبتقول بقسوة
إنتِ جاية تفضحينا في بيت حماكي؟ جاية تفتحي دفاتر قديمة عشان تغطي على قلة أدبك ورفضك لمساعدة جوزك؟ أيوه! أحمد ابني وأنا خايفة عليه! إنتِ بنت غريبة، دخلتي بيتنا بعطلتك، وأنا اللي مربية ابني وعارفة مصلحته! الشقة دي بيتي، والفلوس دي فلوس ابني، وإنتِ لو مش عاجبك عيشتنا الباب يفوت جمل!
الباب يفوت جمل؟
كررت الكلمة وراها.
بصيت لأحمد اللي قعد يعيط وساكت... ما نطقش. ما وقفيش. ما قالهاش عيب يا أمي دي مراتي. ما دفاعش عن كرامتي ولا عن الشرف اللي حفظتهوله سنتين كاملين.
طأطأت رأسي وضحكت، ضحكة طويلة ومكسورة.
رفعت علبة الجاتوه اللي كنت جايباها معايا، وبصيت لحماتي وقالتلها بهدوء غريب حاسه جواه ببرود الموت
الجاتوه ده كان عشان كنت فاكرة إننا عيلة... كنت فاكرة إن الخميس ده عزومة حقيقية، وإن البيت ده بيتي تاني. بس إنتِ صح... إنتِ صح يا طنط. أنا فعلاً ماليش مكان على السفره دي.
مشيت ناحية الباب، فتحته.
أحمد قام وقف مسرع وقال بصوت مكسور
سارة! استني يا سارة... نتفاهم في البيت!
التفت له عند الباب وبصيت في عينيه بثبات عمري ما حسيته قبل كده
أنهي بيت يا أحمد؟ البيت الإيجار اللي بتدفع نص إيجاره من عرقي؟ ولا البيت اللي كنت رايح ترهنه من ورايا عشان تضمن نفسك وتكسرني؟ أنت ما عندكش بيت يا أحمد... وأنا من الليلة دي، ماليش جوز.
عم حسن حاول يجري ورايا
استني يا بنتي... يا سارة تعالي بس نتفاهم، حقك عليّ أنا يا بنتي!
بس أنا ما استنيتش. نزلت السلم جري.
درجات السلم بتاعة بيت شبرا كانت بتمر تحت رجليا وسريعة زي الأيام اللي ضاعت من عمري في البيت ده. دموعي ما نزلتش غير لما خرجت للشارع وشفت النور بتاع المحلات والناس اللي ماشية تضحك وتتكلم عادي كأن العالم ما اتهدش فوق دماغي.
مشيت في الشارع ومش عارفة أنا رايحة فين...
تليفوني في شنطتي بدأ يرن... نغمة أحمد.
ما رديتش.
رن تاني وتالت.
قعدت على دكة في محطة الأوتوبيس، شديت نفسي بالعافية وفتحت الشنطة. أطلعت تليفوني، وبصيت للشاشة. كان أحمد بيرن، وبعدها بشوية جالي مسج منه
سارة ارجعي الشقة... أمي متعصبة بس أنا معاكي، هنحل كل حاجة، بلاش تعملي حاجة تندمي عليها.
قرأت المسج وضغطت على زرار البلوك.
عملت له بلوك من التليفون، ومن الواتساب، ومن كل حاجة.
بعد نص ساعة، كنت واقفة قدام باب بيت بابا الله يرحمه في السيدة زينب. البيت اللي سبته من خمس سنين وأنا فاكرة إني رايحة أعمل عيلة وحياة جديدة. طلعت المفتاح القديم اللي كان فاضل في ميداليتي، وحطيته في الباب... الباب اتفتح بصوت تكة حزينة.
البيت كان ضلمة وريحته تراب وهدوء.
ولعت النور... الصالة الفاضية كان فيها صورة بابا وماما الله يرحمهم متعلقين على الحيطة.
قعدت على الأرض قدام الصور، ونهارات... بكيت بكا الخمس سنين كلهم. بكيت على الشقا اللي راح، وعلى السر اللي حَمَلته وحميته وفي الآخر اترميت بيه في الشارع، وعلى الدهب اللي بعته عشان حلم طلع كدبة كبيرة.
بس وسط البكا ده... في حاجة جوايا اتغيرت.
الخوف اللي كان ماليني طول السنين اللي فاتت حاسه إنه اتمسح.
الصبح طلع... ونور الشمس دخل من الشباك.
قمت غسلت وشي، وقعدت على الترابيزة الصغيرة. فتحت شنطتي وأخرجت أوراقي الشخصية، وكراسة قديمة كنت بكتب فيها حساباتي.
سمعت خبط على باب الشقة.
خبط جامد ومتواصل.
قمت وقفت، وقربت من الباب وهزيت رأسي. كنت متوقعة إنه أحمد، جاي يعتذر أو يترجى أو يمارس عليا الابتزاز العاطفي بتاعه المعتاد.
فتحت الباب ببرود...
بس ما كانش أحمد.
كانت نجوى... أخت أحمد الكبيرة، اللي عايشة في الإسكندرية والتي نادراً ما بتنزل القاهرة.
كانت واقفة قدام الباب، وشها مشدود، وفي إيدها شنطة أوراق كبيرة.
بصتلي وقالت بصوت واطي ومكتوم
سارة... أنا ركبت أول قطر وجيت من إسكندرية أول ما حسن ابن عمي كلمني وحكالي اللي حصل البارح. افتحي الباب يا سارة... في حاجات كتير أنتِ ما تعرفيهاش عن أمي وأحمد، ولازم تعرفيها قبل ما المحامي يوصللك!