بعد جوازنا بثلاث أيام جوزي قلب سفرة الأكل برجله ج 2 حكـايات مني السيد
صحيت الساعة ستة الصبح على صوت المطر اللي كان لسه بيخبط في أزاز الشباك بانتظام، وكأن الجو بره بيهيأ المسرح للملحمة اللي هتتم جوه الشقة. قمت من السرير بكل ثبات وراحة بال، مفيش أي أثر للتردد أو الخوف في قلبي. أخدت دُش دافي ولبست طقم شغلي الأنيق جداً، حطيت الميك أب بتاعي بالمللي، وكأنني رايحة صفقة مالية بملايين، مش رايحة أواجه راجل مفكر نفسه سي السيد على غفلة.
فتحت باب الأوضة وخرجت للصالة الواسعة. الشقة كانت هادية، بس السكون ده كان وراه توتر يعلم بيه ربنا. مشيت بخطوات وثيقة ناحية المطبخ، فتحت النور، الشقة كانت متنضفة وزي الفل، والأكل المكسور بتاع امبارح اختفى تماماً. أحمد عمل اللي طلبته منه بالحرف، بس أنا عارفة إن الذل ده هينبت جواه غل أعمى، وده المطلوب بالظبط.. عشان لما الراجل يتصرف بغير عقل، يغلط أغلاط كارثية.
عملت الفنجان البني بتاعي، وشلت الورقة والألم الجاف اللي كنت مجهزاه من بالليل، وحطيتهم على الترابيزة الكبيرة اللي في الصالة.
خرج أحمد من الأوضة الصغيرة.. كان شكله يزعل، عينيه منفخة من كثرة التفكير وعدم النوم، وهدومه مش مترتبة، وشعره منكوش. أول ما شافني واقفة بكامل أناقتي والقهوة في إيدي، اتثمر في مكانه، وبصلي بنظرة متخلطة بين الغل والخوف والكسرة.
صباح الخير يا عريس.. قلتها بنبرة ساخرة وأنا باخد بق من القهوة.
بلع ريقه وصوته طلع مجهد وناشف
صباح النور يا نهى.. إيه ده؟ إنتِ نازلة الشغل عادي كدة؟ إحنا بقالنا تلات أيام بس متجوزين، الناس تقول إيه لما يعرفوا إن مراتي نزلت الشغل من رابع يوم؟
ابتسمت ابتسامة عريضة وقربت منه
الناس؟ هما الناس دول اللي بيدفعوا أقساط الشقة يا أحمد؟ ولا هما اللي هيدفعوا ديون ورشتك اللي المحامي بتاعي جمعلي عنها كل الأوراق امبارح بالليل؟ وبعدين هو مش إنت اللي كنت امبارح بتقولي من بكرة هتصحي الساعة خمسة وتخدميني؟ أهو أنا صحيت خمسة، بس عشان أخدم نفسي ومستقبلي.. مش عشان أعملك فطار.
وشه جاب ألوان، الغضب فار جواه، بس المرة دي كان كاتمه بقوة، خايف يتهور فياخد ضربة أشد من بتاعة امبارح.
شاور بأصبعه على الورقة اللي على الترابيزة وسأل بصوت محشور
إيه الورقة دي؟
دي بقى دستور البيت الجديد.. اقعد واقراها بتركيز يا أحمد، عشان الورقة دي هي الخيط الرفيع اللي فاضل ومخليك عايش تحت السقف ده وفي الشقة دي باسم جوزي.
اتمشى بخطوات تقيلة وقعد على الكرسي، مسك الورقة بأيد بتترعش خفيف، وبدأ يقرأ الكلام اللي أنا كتبته بخط واضح ومحدد
الملكية والسيادة الشقة وكل محتوياتها ملك خالص للزوجة نهى، ولا يحق للزوج المطالبة بأي حق فيها أو التصرف في أي قطعة أثاث تحت أي مصفى.
الاستقلالية المالية حساباتي البنكية والمرتب الخاص بيا خط أحمر، ولا يحق لك السؤال عن الفيزا أو طلب أي مبالغ مالية تحت أي بند.
مصاريف البيت الشراكة تقتضي إنك تدفع نص مصاريف البيت والأكل والمرافق شهرياً بالمللي، وبدءاً من أول الشهر الجديد.
الاحترام والحدود الصوت العالي، العنف، التهديد، أو حتى مجرد التفكير في مد الإيد يعني الخروج المباشر من الشقة فوراً ورسالة محترمة للمحامي ببدء إجراءات القضايا اللي مش هتخلي في جيبك جنيه واحد.
شغلك وبيتك من النهاردة إنت كمان هتتحمل نص شغل البيت، الفطار والغدا بالنص، والنظافة بالنص.. سيادة الرجل الشرقي الموهومة دي تنسى إنها كانت موجودة.
أحمد قرأ الورقة مرة واثنين.. كل كلمة كانت بتنزل على دماغه زي المطرقة. وشه بقا أحمر دم، ورمى الورقة على الترابيزة بعنف وقف على حيله
إنتِ اكيد اتجننتي! إيه الكلام الفارغ ده؟! دي مش ورقة جواز، ده عقد عبودية! إنتِ فاكرة نفسك مين يا نهى؟! أنا راجل! فاهمة يعني إيه راجل؟! مستحيل أوافق على القرف ده!
وقفت قدامه بمنتهى الثبات، ومسكت فنجان القهوة حطيته على الترابيزة ببراعة، وركزت عيني في عينيه
مش عايز توافق؟ الباب يفوّت جمل يا أحمد.. الشنطة بتاعتك أهي جاهزة جوه، تقيب حاجتك وتتفضل بره الشقة، ومن بكرة الورق بتاع ديونك والمحاضر القديمة اللي أنا شاريها هيبقى في النيابة. اختار.. يا إما تعيش هنا وتحترم نفسك وتلتزم بالشروط دي زي الألف، يا إما تطلع بره عريان من كل حاجة، حتى اسمك وسمعتك بين أهلك وسوقك!
أحمد اتسمر، دراعاته اتنزلت جنبه بضعف.. كان في موقف لا يحسد عليه. غروره بياكله من جوه، بس الخوف من الفضيحة والإفلاس والتشريد كان أكبر بكتير. هو كان متجوزني فاكرني الفرخة اللي بتبيض دهب، الست الهادية الناجحة اللي هيمسك فلوسها ويتحكم في حياتها ويقضي على عقده النفسية بيها.. متوقعش أبداً إن الفرخة دي عندها مخالب واصلة لخسارته كاملة.
عدت دقيقتين من الصمت الرهيب.. صوت المطر كان هو الوحيد اللي مالي المكان.
بصلي بنظرة مليانة كره، بس كره معجون بالعجز، وقال بنبرة مكسورة
ماشي يا نهى.. ماشي.. أنا هوافق، بس افتكري إنك إنتِ اللي بدأتي الحرب دي.
ابتسمت له ابتسامة هادية جداً وجمعت حاجتي
الحرب إنت اللي بدأتها لما رفعت رجلك وكسرت الأكل اللي عملته بإيدي.. أنا بس اللي بحدد النهاية.. عن إذنك عشان متأخرة على شركتي.
سبته واصل للباب، فتحت الشقة وخرجت، وسيبته واقف في نص الصالة يتفرج على الورقة